ينفتح النظر العميق على دراسة التحولات والنقلات الفكرية وما يصاحبها من تغييرات جذرية مؤثرة، ولا سيما ما يترتب عليها من تغيّر في اتجاه بوصلة الأحداث، ورصد حركة التغيير المجتمعي ومآلاته الخطيرة. فمنذ توقّف الاجتهاد الفقهي المطلق بعد عصر الأئمة الأربعة رحمهم الله، خلت الساحة الإسلامية من هذا الطراز الرفيع، رغم بروز علماء كبار لا يقلّون علمًا ومكانةً وسابقةً عمّن سبقهم.
إذ إن المسح الفقهي الاجتهادي للقضايا والنوازل، واستشراف المستقبل، قد أحاط به الفقهاء الأوائل من جوانبه المختلفة، فجاء تأصيلهم شاملًا لكل صغيرة وكبيرة من شؤون حياة المسلمين، حتى لم يعد ثمة مجال لاجتهاد جديد إلا في شرح المبهم، وفكّ المجمل، وزيادة البيان والإيضاح. فظهرت الحواشي، وحواشي الحواشي، والشروح المطوّلة والمتوسطة والمختصرة.
ومع بُعد العهد وتطاول الزمان، برزت ممارسات نابية وتصرفات رعناء في عصور التخلف والانحطاط، تمثّلت في التعصب المذهبي المقيت، والانحراف الفكري الضار، والغوص في الميتافيزيقا (ما وراء الغيب)، حتى وصل الحال في بعض الفترات التاريخية إلى التحارب والتقاتل وإراقة الدماء المعصومة، مما أدّى إلى انشطار مذهبي واسع في البنية الفقهية والفكرية والثقافية والأدبية بين مؤسسي المذاهب والمدارس وأتباعهم المتأخرين.
وتجلّى ذلك في اتجاهات خاطئة عديدة، مثل: التعصب، والتقليد الأعمى، ورفض الحوار، وتوقف تلاقح الأفكار وولادتها، والسقوط في ضلال الفكر الفلسفي الوثني. وانعكس ذلك على الحضارة العربية والإسلامية بالعقم والجمود، حتى فوجئ العالم العربي والإسلامي بالنهضة الأوروبية وما صاحبها من صدمات حضارية هائلة، زعزعت ثقة بعض المسلمين والعرب بتراثهم وهويتهم.
فظهر من حرّم طباعة المصحف، واستنكر المخترعات الحديثة، في حين انجرف كثير من المفكرين والأدباء والمثقفين إلى تيار التغريب، وتنكر بعضهم للحضارة العربية والإسلامية جملة وتفصيلًا، بل أنكروا فضلها بالمطلق. وكان وقع هذه الصدمة عليهم شديدًا، أشبه بالزلزلة الفكرية التي دفعت بعضهم إلى التأويل المتكلف، بينما لجأ آخرون إلى ليّ أعناق النصوص بتأويل فاسد بعيد عن روح الشريعة وأصولها العلمية.
وظهرت طبقة حمّلت الإسلام إخفاقات العلمانية والليبرالية، وبدلًا من تفعيل التراث الفقهي والفكري والأدبي لاستيعاب ثقافة العصر، وقبول المنافسة، وتقديم البديل الحضاري، وإحياء منظومة الاجتهاد، انشطرت المدارس الفقهية والفكرية والثقافية والأدبية إلى اتجاهات متناقضة:
إما التعصب ورفض الجديد، أو الذوبان في ثقافة الآخر، وترديد مقولة: «ليس بالإمكان أفضل مما كان»، أو الاقتصار على الفتاوى الجزئية، أو الطرح التغريبي الفاشل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، أو الخروج من إطار المذهبية العلمية إلى الفوضى الفكرية والتفلّت من ضوابطها بذريعة محاربة المذهبية أو التشنيع على الفكر التجديدي المستنير.
وتولّد عن ذلك ما هو أخطر من التعصب المذهبي والفكري، وهو ضياع بوصلة الهوية، والضرب في أودية الجهل والفوضى العارمة، ورفع شعارات رنانة تتجاوز تقديم النظريات والحلول الفقهية والفكرية الشاملة إلى الاكتفاء بشعارات بلا مضمون حضاري واقعي، مثل: «الإسلام هو الحل» أو «تجديد الخطاب»، دون رصيد علمي حضاري يليق بعظمة الإسلام، أو الدعوة الصريحة إلى التغريب.
وانعكس ذلك في تقسيم المقسَّم، وتجزئة المجزَّأ، ورفع رايات خاوية من المضمون، وتصدّر مشهد القيادة الفكرية والدعوية أصحاب المهن الحرة كالأطباء والمهندسين – مع كامل الاحترام لهم – أو من يُسمّون بالمفكرين غير المؤهلين إلا بالألقاب.
وغصّت الساحة العربية والإسلامية المعاصرة بالمتناقضات والحروب الكلامية والصراع على الهوية، فصبّ كل فريق جام غضبه على الآخر، متهمًا إياه بما وقع فيه من تحزّب أو جمود أو إقصاء وتهميش. وفتح ذلك الباب واسعًا أمام صغار الطلبة والكتّاب المبتدئين الذين قفزوا مباشرة إلى مقام الاجتهاد، فراحوا يصححون الأحاديث ويضعفونها، ويتهوّرون في الفتاوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجهادية، بما ساق إلى الإرهاب والتغريب والطعن في الإسلام بالتجريح والتثريب.
وبلغ ببعضهم الغلوّ والانحراف إلى المطالبة بإحراق أهم كتب التراث، مثل: فتح الباري لابن حجر، وشرح صحيح مسلم للنووي رحمهما الله، ومهاجمة كبار علماء الإسلام كالأئمة الشافعي والبخاري وابن تيمية رحمهم الله. وعلة هذا الداء الوبيل عدم مرورهم بمراحل التأهيل العلمي الرصين في علوم الآلة، وأدب الطلب، والتدرج في منظومة العلوم، مع التهوين من شأن التمذهب الفقهي العلمي، أو الغرق في الفكر التغريبي الصادم، حتى إن بعضهم لم تبلّ ثياب فسقه بعد، وهو يطلق سهام لسانه في القدح في أكابر العلماء والمفكرين.
وللحديث بقية…






