آراء متعددة

مكة تقرأ… حين ينجح الحدس… ويسقط الواد الشقي !

قراءة في مقال: «الولد الطيب (والواد) الشقي»
بقلم: أسعد عبدالكريم الفريح
المنشور بتاريخ: 25 مارس 2025م
———————————–

ليست كل المقالات التي تُكتب حكايات للتسلية، فبعضها يُولد وفي داخله حدسٌ مبكر، وقراءة تتجاوز اللحظة، واستشراف يسبق الحدث. ومقال «الولد الطيب (والواد) الشقي» لم يكن – كما ظنه البعض عند نشره – مجرد سرد أخلاقي بلغة شعبية، بل كان قراءة سياسية مغلّفة بالحكاية، اختار صاحبها أن يقول ما يريد دون صخب، وأن يضع إشاراته بين السطور لا في العناوين.

اختار الكاتب أن يقسم المشهد إلى شخصيتين:
• M: ولد طيب، يتقدم بهدوء، يكبر بثبات، ويصنع حضوره بالعمل لا بالضجيج.
• Z: وادٍ شقي، يعيش على المقارنة، ويتغذى على الحسد، ويظن أن المال والالتفاف قادران على اختصار الطريق.

لم تكن الحكاية عن زقاق ولا عن جيران، بل عن نهجين في إدارة الحياة والصراع:
نهج يبني، ونهج يُربك.
نهج يراكم الثقة، وآخر يراكم الشكوك.

ومع مرور الأيام، أثبت الواقع أن الحدس كان في مكانه. فـ”الولد الطيب” واصل صعوده الطبيعي، لأن صعوده لم يكن قائمًا على إضعاف الآخرين، بل على تعزيز ذاته. بينما “الواد الشقي” – رغم وفرة الإمكانات – ظل يدور في فلك التخريب، حتى انكشف، وتهاوى، وفقد من حوله، تمامًا كما تنبأت الحكاية.

اللافت في المقال أن الكاتب لم يحتج إلى لغة الاتهام، بل ترك السلوك يحاكم نفسه. مشهد “المسكين” لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل كان اختبارًا رمزيًا:
العطاء حين يكون بلا كِبر يُقبَل، وحين يُلوّثه الاستعلاء يُرفض.
وهكذا تسقط محاولات شراء المواقف، مهما بدت مغرية في ظاهرها.

واليوم، حين نعيد قراءة المقال بعد الأحداث الأخيرة، ندرك أن الكاتب لم يكتب بعد أن انكشف المشهد، بل كتب قبله. قرأ المسار، لا الحدث. فهم القاعدة قبل النتيجة:

ما بُني على الإزعاج لا يدوم،
وما بُني على الاتزان يصل.

أما النهاية، فكانت ذروة الوعي. لم يشمت (M)، ولم ينتقم، بل قال كلمته الأخلاقية الهادئة: «ما شفت منه إلا الطيب». وهي جملة تتجاوز الفرد إلى الدولة، وتتجاوز الخصومة إلى المسؤولية، وتؤكد أن التفوق الحقيقي لا يحتاج إلى تصفية حسابات.

هكذا نجح المقال في اختبار الزمن، ونجح حدس كاتبه، وسقط “الواد الشقي” في امتحان المستقبل…
ليس لأن أحدًا أسقطه،
بل لأنه اختار الطريق الخطأ منذ البداية.

مكة تقرأ

نقرأ معًا من صحيفة مكة الإلكترونية نصوصًا ومقالاتٍ تحمل المعنى، وتفتح النوافذ نحو العقول والقلوب…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى