آراء متعددةالثقافية

عزاء الأديب… بين قدسية اللحظة وسؤال الثقافة… قراءة في مشهد رحيل سعيد السريحي

ليست كل لحظات الفقد متشابهة، كما أن ليس كل الراحلين يعبرون بالطريقة نفسها. فحين يرحل أديب، لا يغادر شخصًا فحسب، بل يغادر مشروعًا، ويترك وراءه أثرًا يستمر في التداول. ومن هنا يصبح العزاء، في بعض الحالات، أكثر من طقس اجتماعي؛ يتحول إلى مشهد ثقافي تتقاطع فيه الذاكرة بالوعي، والحزن بالنقاش، والإنسان بالفكرة.

رحيل الأديب سعيد السريحي أعاد هذا السؤال إلى السطح: هل يختلف عزاء الأدباء عن عزاء العامة؟

في سرديته الوجدانية، وصف الروائي أحمد السماري وصوله إلى بيت الفقيد في وقتٍ هادئ قبل العصر، حيث “السكينة التي تليق بمقام الفقد”، واستقباله من ابن الراحل بعبارة تختزل المشهد: “البيت مفتوح… والوقت لكل الأحبة.” جلس الحديث بين الدعاء والذكرى، بين ألم الغياب وامتنان الأثر، قبل أن يُهدى كتاب يحمل إهداءً لافتًا: “إلى والدي: أتمنى أن تقرأه.” لم يكن ذلك تصويرًا لمجلس عزاء، بل لحظة إنسانية خاصة امتزج فيها الخاص بالثقافي، واستُعيد فيها أثر الراحل من خلال كتابٍ وكلمة.

غير أن تعليقًا ناقدًا للكاتب فيصل الجهني أضاء زاوية أخرى، حين تساءل عن التوقيت وعن فكرة التوثيق في لحظة يفترض أن تبقى بعيدة عن المنصات. ورغم أن الواقعة لم تتضمن تصويرًا لمجلس عزاء أو حضور معزين، فإن مجرد تداول الحدث أعاد طرح سؤال أعمق: أين تنتهي الخصوصية؟ وأين تبدأ الذاكرة العامة؟ وهل يتحول العزاء، حين يتعلق بمثقف، إلى شأن يتجاوز الجدران؟

في عزاء الإنسان العادي، يبقى المشهد غالبًا محصورًا في دائرة الأسرة والمقرّبين. أما حين يكون الراحل أديبًا، فإن المجلس يتسع رمزيًا ليشمل القراء والمهتمين بالشأن الثقافي. فالأديب، بحكم أثره، لا ينتمي لعائلته وحدها، بل لمجاله الثقافي أيضًا. ولهذا يتحول الحديث في عزائه من استحضار لحظة المرض والغياب إلى استحضار مشروعه الفكري، وكتبه، ومواقفه. لا يغيب الحزن، لكنه يتجاور مع التأمل، ولا يغيب الدعاء، لكنه يرافقه السؤال.

في زمن المنصات الرقمية، أصبحت كل لحظة قابلة للنشر، وكل حدث قابلًا للتأويل. غير أن الفارق لا يكمن في النشر ذاته، بل في سياقه ومعناه. ثمة فرق بين استعراض مشهد جماعي، وبين توثيق رمزية ثقافية مرتبطة بكتاب وإهداء خارج وقت الزحام. رأي الجهني يعكس حساسية اجتماعية مشروعة تجاه قدسية اللحظة، وهو صوت يذكّر بضرورة احترام الطقوس، غير أن اكتمال الصورة يكشف أن ما جرى كان أقرب إلى شهادة أدبية خاصة لا إلى تغطية إعلامية، وأن سرعة الحكم في زمن المنصات قد تسبق أحيانًا اكتمال الفهم.

ربما لا يختلف مجلس عزاء الأديب في مظهره الخارجي عن غيره، لكنه يختلف في طبقاته. فيه طبقة الحزن الإنساني، وطبقة الأثر الثقافي، وطبقة النقاش الذي يستمر حتى بعد انفضاض المجلس. سعيد السريحي لم يغادر النقاش برحيله؛ بل ربما بدأ فصلًا جديدًا من القراءة حوله. وهذه ليست ظاهرة طارئة، بل سمة كل من ترك أثرًا يتجاوز حياته.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام تغيّر في طقوس العزاء؟ أم أمام اتساع دائرة الذاكرة في زمن المنصات؟ ربما الجواب أبسط مما نتصور؛ فبعض الأسماء لا تُعزّى بصمتٍ كامل، لأنها لم تعش بصمتٍ كامل، ولأن الفكر، حين يترك أثرًا، يظل حاضرًا
حتى بعد أن يغيب الجسد.

وهكذا هو الأديب سعيد السريحي؛ ظلّ محور النقاش حيًّا بفكره، وميتًا بأثره، لأن من يكتب حياته بالكلمة… لا يغادر المشهد بسهولة.

مكة تقرأ

نقرأ معًا من صحيفة مكة الإلكترونية نصوصًا ومقالاتٍ تحمل المعنى، وتفتح النوافذ نحو العقول والقلوب…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى