«يلا بينا» انتقال ذهني؛ من فهمٍ استُهلك حتى فقد قدرته على التفسير، إلى واقع يفرض إعادة تعريف القيمة قبل أي حديث عن توزيعها.
المملكة تعيد بناء منطقها قبل أدواتها. تُعاد موضعة المعادن داخل سلاسل الإمداد العالمية، وتُدار الطاقة بعقل اقتصادي مختلف، ويُعاد ترتيب القرار تحت أثر الذكاء الاصطناعي. القيمة تُستمد من الترابط ومن الأثر، لا من العنوان ولا من العدد. على هذه القاعدة يتشكّل المشهد الجديد.
الجامعة، في قلب هذا التحول، تعيش مفارقة واضحة.
تنتج معرفة دقيقة، بينما تُدار بلغات عامة.
تدرّس مسارات متخصصة، ثم تُقاس بنماذج واسعة.
الإشكال في اللغة التي تُعرّف هذا الجهد، وفي قدرتها على الوصول إلى موقع القرار.
في لحظة إدارية صامتة، يبحث الأكاديمي عن توصيف يعبّر عن تخصصه الدقيق فلا يجده. يختار أقرب مسمى لأنه الطريق الوحيد المتاح. يُسأل عمّا يتقاطع فيه مع غيره، ويُترك ما يُنتجه خارج القراءة. هنا يبدأ التنازل الأول: التنازل عن الخصوصية التي بُني عليها المسار العلمي كله. ومع تكراره، تتحول الدقة من ميزة إلى عنصر غير مرئي في النماذج.
تُدار هذه الخصوصية المفقودة عبر مواءمات واسعة. يُدرج عضو هيئة التدريس ضمن توصيف يشمل القسم كاملًا. لا فرق يُعتد به في الحساب، ولا أثر يُقرأ على الورق. التكرار يُفهم كوفرة، والاحتياج يُدار كإشباع شكلي. ما يُرى تشابه، وما يغيب هو الأثر.
ومع اختزال الندرة في مؤشر واحد، تُتخذ قرارات تُضعف تخصصات ما زالت الحاجة الوطنية قائمة لها. ارتفاع النسبة داخل القسم لا يعني اكتمال الكفاية، وانخفاضها لا يعبّر وحده عن حجم الاحتياج الفعلي. قراءة الجامعة بمعزل عن السوق تفصل التعليم عن وظيفته التنموية، وتحوّل المؤشر إلى غاية بدل أن يكون أداة.
مع التوقيع، يُسجَّل إقرار ضمني بأن الاختلاف غير ذي أثر. ما لا يُعرَّف لا يُحمى، وما لا يُرى لا يُكافأ. تُدار الكفاءات بمنطق الاستبدال، وتتحول الدقة إلى عبء إداري، في لحظة وطنية تحتاج العكس تمامًا: تخصصات واضحة، ومسارات تُغذّي القطاعات، لا تكرر نفسها داخل القاعات.
هنا يصبح البديل ضرورة، لا ترفًا.
الانتقال من الوفرة إلى الندرة لا يتحقق بمؤشر معزول، بل عبر نموذج جامعي داخلي واضح، مرتبط بالكود التعليمي، يوازن بين نسبة السعوديين في سوق العمل على مستوى المملكة في التخصص الدقيق، ثم العبء التدريسي الفعلي، ومخرجات الخريجين، واحتياج السوق.
تشبّع قسم علمي بنسبة 100٪ لا يعني انتفاء الندرة، ما دامت السعودة في سوق العمل ذاته تتراوح بين 20 و30٪. قراءة القسم بمعزل عن السوق تُنتج قرارًا مريحًا إداريًا، ومُضلِّلًا وطنيًا.
هذا الربط ليس تنظيرًا، بل شرطًا لتحقيق مستهدفات الرؤية.
توطين الصناعة يبدأ من تعريف التخصصات التي تخدمها.
وسعودة القطاعات لا تكتمل دون مسارات تعليمية دقيقة تُغذّيها.
ورفع مشاركة الفرد في الاقتصاد يفترض جامعة ترى الطالب مشروع إنتاج، لا رقم قبول.
عندها فقط تتغيّر القراءة.
الوفرة القائمة اليوم وفرة توصيف غير دقيق. إعادة التصنيف، حين تُنجز بعمق، لا تقلّص الموارد، بل تكشف الندرة المخفية داخل التشابه. وضع كل عضو هيئة تدريس في موقعه الصحيح يعيد قراءة المشهد كما هو، ويُظهر الفروق التي غابت تحت عناوين عامة.
ثم يأتي السؤال الأثقل، لا من داخل المكاتب بل من القاعة.
طالب متفوّق، يرى أستاذه قدوة، ويسأل:
هل تنصحني أن أسلك المسار الأكاديمي؟
السؤال بسيط في لفظه، ثقيل في جوهره.
هل تُنصح بالعقل أم بالتجربة؟
بالواقع كما يُعاش أم بالمأمول كما يُتمنى؟
باللقب أم بالاستقرار الذي يمنح طمأنينة مهنية ومالية؟
حين يختار الدكتور الصدق، لا يجيب مباشرة. يغيّر زاوية الحديث:
خلال السنوات الماضية لم تُفتح وظائف أكاديمية جديدة، بينما يمنح السوق خبرة أسرع ومسارًا أوضح في هذه المرحلة. الدخول إلى السوق خيار يسمح بتأجيل العودة، ريثما تتضح المسارات وتتحسن المعطيات.
وتحت مظلة رؤية 2030، ومع ميزانية 2026 التي خصصت 202 مليار ريال لقطاع التعليم، عاكسةً انتقال الدولة من إدارة الموارد إلى قيادة القطاعات وتنمية رأس المال البشري، يبقى الأمل أن يصل هذا التحول إلى القاعة الجامعية كما وصل إلى الصناعة وجودة الحياة. أن تُقرأ الجامعة بوصفها أساس التنمية، وأن تُدار التخصصات باعتبارها رافعة للاقتصاد، لا عبئًا في الجداول.
يلا بينا…
من الوفرة الوهمية التي تصنعها العناوين العامة،
إلى الندرة المخفية التي لا تظهر إلا حين تُقرأ التخصصات في سياقها الحقيقي.
حين تُصحَّح القراءة، تنكشف الندرة.
وحين يُعاد كل متخصص إلى موقعه الصحيح، تستعيد المعرفة معناها، وتعود الجامعة إلى دورها الطبيعي دون ضجيج.






