المقالات

فضيحة الفجيرة

بعض الأخبار لا يمكن احتواؤها أو تجاوزها، لأنها لا تمرّ مرور العابرين، بل تُسجَّل في الذاكرة الجمعية بوصفها لحظات فاصلة. ومن بين تلك الأخبار ما ورد في بيان وزارة الخارجية السعودية، الذي هزّ الوجدان العربي والإسلامي، وكشف عن تطورات خطيرة تمسّ أمن المنطقة واستقرارها.

فقد أعربت المملكة العربية السعودية عن أسفها لما قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة من ضغوط على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، لدفعها نحو تنفيذ عمليات عسكرية على الحدود الجنوبية للمملكة في محافظتي حضرموت والمهرة، وهو ما عدّته المملكة تهديدًا مباشرًا لأمنها الوطني، ولأمن اليمن والمنطقة، وخروجًا خطيرًا عن الأسس التي قام عليها تحالف دعم الشرعية في اليمن.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ أعلن المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، أن سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة دخلتا إلى ميناء المكلا خلال يومي 27 و28 ديسمبر 2025 دون الحصول على التصاريح الرسمية، بعد تعطيل أنظمة التتبع، وإنزال شحنات من الأسلحة والعربات القتالية، في محاولة لتأجيج الصراع ودعم قوات المجلس الانتقالي في المحافظات الشرقية.

ورغم خطورة هذه الوقائع، ظلّ الخطاب السعودي محافظًا على لغته الأخوية، مميزًا بين الدول وشعوبها.

وهنا تُطرح الأسئلة الثقيلة:
من يقف خلف هذه العمليات؟
ولماذا تُهرَّب الأسلحة إلى الجنوب اليمني؟
وهل نحن أمام حرب بالوكالة تُدار من خلف الستار؟

إن حادثة ميناء المكلا، وما ارتبط بها من ملابسات، أصابت أواصر الثقة العربية في مقتل، وأعادت فتح ملفات كان يُفترض أنها أُغلقت. ويبقى الأمل معقودًا على تصحيح المسار، لأن التاريخ لا ينسى، ولأن المكر – كما يقول القرآن – لا يحيق إلا بأهله.

البيان السعودي لم يخلُ من مشاعر الصدق، ولا من أثر طعنة الغدر التي لم تمسّ المملكة وحدها، بل امتدّ وقعها إلى وجدان أكثر من مليار مسلم، بحكم مكانة الحرمين الشريفين في قلب الأمة؛ فجاءت صياغته معبّرة عن إحساس يتجاوز حدود السياسة إلى وجدان كل مسلم. لم يكن بيانًا بروتوكوليًا باردًا، بل كُتب تحت وطأة واقع مؤلم، فخرجت كلماته مثقلة بالألم، صادقة في نبرتها، واضحة في موقفها.

فالأسف الذي صاحب البيان لم يكن مجرد صيغة دبلوماسية معتادة، بل شعورًا حقيقيًا لمسناه واستقر في القلب، لأن ما يخرج من القلب يصل إلى القلب. ولعل عبارة:
«نعرب المملكة العربية السعودية عن أسفها لما قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة»
تختصر هذا المعنى بأبلغ صورة؛ إذ حملت في طياتها حرصًا على الأخوّة رغم الخلاف، وضبط نفسٍ سياسي نادر في لحظة كان يمكن فيها للغة أن تكون أكثر حدّة، لكنها اختارت أن تكون أكثر حكمة.

ختامًا،
حادثة كهذه، مهما جرت محاولات تخفيف عنوانها، تظلّ في جوهرها فضيحةً مكتملة الأركان في ميزان السياسة والأخلاق. فصدق النوايا لا يُقاس بمحاولات التبرير ولا بحملات التشكيك، بل بخطوة شجاعة واحدة: اعتذار صريح، وتصحيح للمسار، ووقفٌ لأي دعم أو تحريض يمسّ أمن المملكة وسيادتها.

إن استمرار التبرير، وتغذية المجلس الانتقالي الجنوبي، لا يمكن قراءته إلا بوصفه عبثًا بأمن الحدود، وإقحامًا غير مبرر للمملكة في صراعات تُدار بالوكالة.
وليس العيب أن يُخطئ المرء، فالخطأ وارد، لكن العيب أن يستمر في الخطأ، خصوصًا حين يكون ذلك مع الأخ والجار.

وهنا، يصبح الاعتذار فعلَ مسؤولية، بينما يصبح الإصرار على الخطأ مجازفةً خطِرة لا تخدم إلا الفوضى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى