ليست الصدمة الإعلامية مجرد ارتباك لغوي في تقرير، ولا تناقض عابر في تغريدة، بل هي لحظة فلسفية كاشفة؛ لحظة ينفصل فيها الخطاب عن الفعل، وتسقط فيها اللغة من عليائها إلى قاع الواقع. هذا ما بدا واضحًا في المشهد الإعلامي الإماراتي عقب سلسلة الفضائح التي انكشفت في جنوب اليمن، حيث ظهر الإعلام – الرسمي منه والرقمي – في حالة دفاع مرتبك، أقرب إلى ردّ الفعل الغريزي منه إلى السرد العقلاني.
في الفلسفة، حين يفقد الخطاب اتساقه، فهذا يعني أن البنية التي تحمله قد تصدّعت. وهنا تحديدًا، لم يكن الارتباك الإماراتي سببه «سوء تقدير إعلامي»، بل انكشاف فجوة عميقة بين ما يُقال وما يُمارس. فالإعلام الذي طالما روّج لخطاب «الاستقرار» و«مكافحة الفوضى»، وجد نفسه فجأة أمام وقائع ثقيلة: دعم مليشيات انفصالية، نشر للفوضى، تهريب للسلاح، تخزين للقنابل والمدرعات، وانتشار للمخدرات، وصولًا إلى استخدام العمل الإنساني كغطاء عسكري.
أخطر ما في هذا المشهد ليس السلاح ذاته، بل القناع. فحين تُستغل المساعدات الإنسانية – غذاءً ودواءً – كوسيط لتمرير السلاح داخل مناطق النزاع، نكون أمام انقلاب أخلاقي كامل: إنسانية تتحول إلى أداة، والرحمة إلى تقنية، والإغاثة إلى واجهة لتمرير العنف. هنا لا يعود السؤال سياسيًا، بل فلسفيًا:
كيف يمكن لخطاب أخلاقي أن ينجو حين تُستخدم الأخلاق ذاتها كوسيلة للخداع؟
إن تخزين السلاح في مقار يُفترض أنها إنسانية، ليس مجرد خرق قانوني، بل هو إعلان صريح عن تناقض الخطاب مع الممارسة، وعن سقوط السردية من داخلها.
في مثل هذه اللحظات، لا يملك الإعلام المضلِّل إلا خيارين:
إما الاعتراف، أو الهروب إلى الصياح.
وقد اختار الإعلام الإماراتي – في غالبه – الصياح: تضخيم جانبي، تشتيت، هجوم مضاد، وصناعة روايات عاجلة بلا عمق. لكن الفلسفة تخبرنا أن الصياح على قدر الألم، لايصمد طويلًا أمام الحقيقة، وأن الوعي الجمعي – حين يستيقظ – لا يعود إلى النوم بسهولة.
بيانات الخارجية السعودية، وتصريحات المتحدث الرسمي لقوات التحالف، لم تكن مجرد ردود سياسية، بل لحظة كشف. لحظة سقطت فيها الأقنعة، وتهاوت معها اللغة المُلمّعة، وانكشف الأسلوب القائم على التمويه والتكتيك، لا على الشراكة الصادقة.
اللافت أن الشعب اليمني – الذي عانى طويلًا – لم يتلقَّ هذه الوقائع بوصفها مفاجأة، بل بوصفها تأكيدًا لما كان يُهمس به طويلًا. لذا جاءت المطالبات الشعبية بطرد هذا النفوذ، لا بدافع الانفعال، بل من موقع الوعي. ووسط هذا المشهد، برز تقدير واضح لدور المملكة العربية السعودية في حفظ أمن اليمن واستقراره، بوصفها دولة تعاملت مع اليمن كقضية أخلاقية وسيادية، لا كساحة نفوذ.
لقد فشلت الحملات الإعلامية المضللة لأن زمن السيطرة على الوعي قد تغيّر. لم يعد الإعلام يصنع الحقيقة، بل يُحاسَب عليها.
ختامًا
حين يصاب الإعلام بالصدمة، فذلك لأن الحقيقة طرقت بابه دون استئذان.
وحين يرتبك الخطاب، فذلك لأن الواقع لم يعد قابلًا للتجميل.
وحين يسقط القناع، لا يعود السؤال: من أخطأ؟
بل: من كان صادقًا منذ البداية؟
في اليمن، لم تنكشف فقط أطماع سياسية، بل انكشفت فلسفة كاملة في إدارة الخطاب… فلسفة راهنت على التضليل، فهزمها الوعي.




