المقالات

الإمارات وتشابه الأدوار مع العدوان

لم يعد ما جرى في جنوب اليمن حادثة سياسية عابرة يمكن تجاوزها في سياق التحالفات الإقليمية، ولا يمكن قراءته بوصفه خلافًا مرحليًا أو سوء تقدير تكتيكي، بل أصبح نموذجًا صارخًا لتحوّل الاستثمار إلى أداة نفوذ، ثم إلى سيطرة، ثم إلى انقلاب وفوضى، انتهت – كما أعلن قادة المجلس الانتقالي المنحل – إلى بوابة التطبيع مع إسرائيل.

ما حدث في الجنوب بدأ تحت عنوان «الاستثمار الإماراتي»، ثم تطوّر إلى وجود أمني وعسكري، ثم إلى مشروع سياسي انفصالي، وانتهى بإعلان صريح على لسان عيدروس الزبيدي:
«سوف نطبّع مع إسرائيل».

وهنا لم نعد أمام مشروع اقتصادي، بل أمام مسار توسّعي مشبوه، يستخدم الاستثمار غطاءً للتمدد، والسيطرة الناعمة بوابة للاحتلال المقنّع، في مشهد يذكّر بنموذج المشروع الصهيوني المعاصر الذي يستخدم الاقتصاد أداة لترسيخ الاحتلال وفرض الأمر الواقع.

حادثة الجنوب اليمني يجب أن تكون جرس إنذار لكل الدول العربية والإسلامية قبل فتح أبوابها للاستثمارات الإماراتية دون تدقيق سياسي وأمني عميق، وقبل الاستمرار في شراكات قد لا تكون اقتصادية خالصة بقدر ما هي امتداد لأجندة توسعية تخدم المشروع الإسرائيلي في المنطقة.

بات واضحًا أن استثمارات أبوظبي لم تعد محصورة في منطق الربح والخسارة، بل تحوّلت إلى أدوات نفوذ جيوسياسي، تُدار في كثير من الملفات بالوكالة عن المصالح الإسرائيلية، وتُستخدم لاختراق البيئة العربية والإسلامية تحت لافتات التنمية والموانئ والطاقة والسياحة.

وليس خافيًا على المراقبين أن السيطرة الإسرائيلية على فلسطين لم تترسّخ بالسلاح وحده، بل اكتملت بالتحكم في الحدود والموانئ والمعابر، وإدارة حركة الإنسان والبضائع، وفرض الوقائع الجغرافية بوصفها أمرًا واقعًا لا يقبل التفاوض.

والمشهد ذاته يتكرر اليوم في اليمن بصورة أخرى؛ حيث يتجلى الوجود الإماراتي في الموانئ والسواحل والجزر والممرات البحرية، من عدن إلى المخا، ومن المكلا إلى سقطرى، في نمط نفوذ يتشابه في وظيفته الجيوسياسية مع النموذج الإسرائيلي، وإن اختلف في أدواته.

وليس اعتراف أبوظبي بصومالاند – بوصفها أول دولة عربية وإسلامية تُضفي شرعية سياسية على كيان انفصالي – إلا امتدادًا لهذا النهج، في إعادة رسم الخرائط عبر الاقتصاد والموانئ والاتفاقيات بدل الجيوش والدبابات.

هنا لا نتحدث عن تشابه في الشعارات، بل عن تشابه في الأدوار، حيث تُستخدم الموانئ والمعابر بوصفها مفاتيح السيادة، وتُدار الجغرافيا بمنطق النفوذ لا بمنطق الشراكة.

اليوم، وبعد التطبيع، لم تعد الإمارات كما كانت قبله.
وما كان يُنظر إليه كشراكة اقتصادية بات يُقرأ كمخاطرة استراتيجية.

من حق الدول العربية والإسلامية أن تعيد تقييم علاقاتها الاستثمارية مع أبوظبي، ومن واجبها أن تتعامل معها بالمنطق نفسه الذي تتعامل به مع الكيان الصهيوني، لأن المشروع واحد، والأهداف متقاطعة، والأسلوب مختلف.

ختامًا
لسنا أمام خيانة مفاجئة لليمن أو للعرب، بل أمام مسار كُشف عنه بوضوح على لسان قادة المجلس الانتقالي أنفسهم، حين أعلنوا نيتهم التطبيع مع إسرائيل، في رسالة لا لبس فيها لكل العواصم العربية والإسلامية.

الحذر اليوم لم يعد خيارًا سياسيًا… بل ضرورة سيادية.

فمن لا يحمي أرضه في عقود الاستثمار، قد يجد نفسه يومًا يستخرج تأشيرة دخول إلى وطنه من دولة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى