المقدمة:
كثرت في العقود الأخيرة الدعوات إلى ما يُسمّى بـ«الإصلاح الديني»، وأصبح مصطلح Reform أحد أكثر المفاهيم تداولًا في الخطاب الأكاديمي والإعلامي والسياسي المتعلق بالإسلام. وغالبًا ما يُقدَّم هذا المصطلح بوصفه حلًّا شاملًا لأزمات التديّن، أو مدخلًا ضروريًا لمواكبة العصر، أو شرطًا للاندماج في العالم الحديث.
غير أن هذا الطرح، على شيوعه، يعاني من إشكال منهجي عميق، يتمثل في افتراض أن الشريعة الإسلامية تشبه – في بنيتها ووظيفتها التاريخية – الأنظمة الدينية التي نشأ فيها مفهوم Reform، وهو افتراض يفتقر إلى الدقة العلمية، ويتجاهل الفروق الجذرية بين السياقين.
فمصطلح Reform في الفكر الغربي لم ينشأ بوصفه مفهومًا تجريديًا عامًا، بل وُلد في سياق محدد:
سياق كنيسة احتكرت تفسير النص، وفرضت سلطة دينية مركزية، ومنعت التعدد الاجتهادي، فكان الإصلاح حينئذٍ ضرورة لتحرير النص من المؤسسة.
أما الشريعة الإسلامية، فقد قامت – منذ لحظة التأسيس – على نقيض هذا النموذج؛ إذ لم تعرف كهنوتًا، ولا سلطة تفسيرية مغلقة، ولا نصًّا محجوبًا عن الأمة، بل قامت على:
• علنية النص،
• وتعدد الفهم،
• وشرعية الاختلاف،
• ومأسسة الاجتهاد.
ومن هنا، فإن الإشكال لا يكمن في مبدأ الإصلاح ذاته، بل في إسقاط نموذج إصلاحي وُضع لمعالجة أزمة مخصوصة على منظومة لا تعاني من تلك الأزمة أصلًا.
وهذا ما يجعل كثيرًا من دعوات Reform المعاصرة – حين تُنزَّل على الإسلام دون تحرير – تُنتج مفارقة خطيرة:
إذ تطالب الشريعة بأن تُصلِح نفسها، في حين أن أدوات الإصلاح التي تُطالب بها هي جزء أصيل من بنيتها الداخلية منذ قرون.
ومن ثمّ، فإن هذا المقال لا يرفض الإصلاح، بل يرفض تبسيطه المفاهيمي، ويهدف إلى إعادة تحريره داخل الإطار الأصولي الإسلامي، بوصفه:
• إحياءً لا قطيعة،
• وتصحيحًا لا تفكيكًا،
• وتطويرًا من الداخل لا استيرادً الدين.
الفصل الثاني
الشريعة الإسلامية بين القطعيات والظنيات: الأساس الأصولي للإصلاح والمواكبة
تمهيد
يُعدّ الخلط بين القطعي والظني من أخطر الإشكالات المنهجية في الخطاب الديني المعاصر، وهو خلطٌ ترتّبت عليه آثار فكرية وفقهية جسيمة، من أبرزها تضييق مساحة الاجتهاد، وتقديس الرأي البشري، وتحويل مسائل الخلاف إلى قضايا إيمانية فاصلة.
والحقيقة أن الشريعة الإسلامية – كما قررها الأصوليون – لم تُبنَ على القطع وحده، ولا على الظن وحده، بل على توازن دقيق بينهما، يضمن ثبات الأصول ومرونة الفروع، ويحفظ للدين جوهره، وللواقع حيويته.
أولًا: تحرير مفهوم القطعي والظني في أصول الفقه
1. القطعي: تعريفه وضوابطه
القطعي في اصطلاح الأصوليين هو ما:
• ثبت بدليل قطعي الثبوت،
• وكانت دلالته قطعية لا تحتمل إلا معنى واحدًا.
ومن أمثلته:
• أصول العقائد الكبرى،
• فرائض الإسلام الأساسية،
• المقاصد الكلية للشريعة (حفظ الدين، النفس، العقل، المال، النسل).
وقد اتفق العلماء على أن القطعيات لا مجال للاجتهاد فيها، وأن الخلاف فيها مرفوض؛ لأنه خلاف في أصل الدين لا في فهمه.
2. الظني: طبيعته ومجاله
أما الظني، فهو ما:
• كان ظني الثبوت، أو
• ظني الدلالة، أو
• جمع بين الأمرين.
وهنا تقع المساحة الواسعة للاجتهاد التي شكّلت تاريخ الفقه الإسلامي، وأنتجت:
• المذاهب،
• والمدارس،
• وتنوع الفتاوى.
وقد أكّد الإمام الشاطبي أن أكثر مسائل الفقه مبنية على الظن الغالب، لا على القطع، وأن هذا ليس نقصًا في الشريعة، بل مقصودٌ شرعًا لتحقيق المرونة والتيسير.¹
ثانيًا: لماذا وسّعت الشريعة دائرة الظنيات؟
1. مراعاة اختلاف الأحوال والأعراف
لو كانت جميع الأحكام قطعية جامدة:
• لتعطّل اعتبار العرف،
• ولانتفى أثر الزمان والمكان،
• ولأُغلقت أبواب المصلحة والمآل.
لكن الشريعة، بحكم كونها رسالة خالدة، جاءت بمساحات ظنية قابلة للتكييف، حتى تستوعب:
• اختلاف المجتمعات،
• وتحوّل الأعراف،
• وتطور أنماط الحياة.
2. حماية الشريعة من الجمود
الظنيات ليست ضعفًا تشريعيًا، بل آلية حماية؛ إذ لولاها لتحولت الشريعة إلى منظومة تاريخية جامدة، غير قادرة على الاستجابة للتغيرات.
ولهذا قال ابن القيم:
«الشريعة مبناها على الحكمة والمصلحة، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها».²
ثالثًا: خطأ تحويل الظني إلى قطعي
من أخطر الانحرافات المعاصرة تعامل بعض الخطابات مع الظني وكأنه قطعي، وهو ما يؤدي إلى نتائج خطيرة، منها:
1. إلغاء الخلاف المشروع
2. تجريم الاجتهاد
3. تديين الرأي البشري
4. تحميل الشريعة ما لم تلزم به الناس
وهذا المسلك يخالف منهج السلف، ويصادم التجربة الفقهية الإسلامية عبر القرون.
رابعًا: أمثلة تطبيقية على الظني في الفقه الإسلامي
1. في العبادات
• اختلاف الفقهاء في:
• وضع اليدين في الصلاة،
• الجهر بالبسملة،
• عدد تكبيرات العيد.
وكلها مسائل تعبدية، ومع ذلك لم تُجعل يومًا معيار ولاء أو براء.
2. في المعاملات
• اختلافهم في:
• بعض صور البيع،
• تقدير الغرر،
• شروط العقود المستحدثة.
وهو اختلاف راعى تطور الأسواق وتغير البيئات الاقتصادية.
3. في السياسة الشرعية
• اختلاف الصحابة والتابعين في:
• شكل الإدارة،
• آليات اختيار الحاكم،
• سياسات المال العام.
مما يدل على أن باب السياسة الشرعية من أوسع أبواب الظن والاجتهاد.
خامسًا: العلاقة بين القطعي والظني في خطاب الإصلاح
إن كثيرًا من دعوات Reform المعاصرة تفترض أن الإسلام منظومة قطعية مغلقة، ومن ثمّ ترى الإصلاح في كسر هذه القطعيات.
غير أن الحقيقة – كما يكشفها المنهج الأصولي – أن:
• القطعيات محفوظة أصلًا،
• والمرونة موجودة أصلًا،
• والاجتهاد مأسَّس أصلًا.
فالمشكلة ليست في ضيق الشريعة، بل في سوء تمثيلها.
الفصل الثالث
الفتوى والاجتهاد وتغيّر الأحكام: بين ثبات الشريعة وحركية التنزيل
تمهيد
من أكثر مظاهر الاضطراب في الخطاب الديني المعاصر الخلط بين الشريعة بوصفها وحيًا، والفتوى بوصفها اجتهادًا بشريًا. وقد ترتّب على هذا الخلط نتائج خطيرة، من أبرزها:
• تقديس آراء الفقهاء،
• إلزام الناس بما لم يُلزِمهم الله به،
• واعتبار تغيّر الفتوى مساسًا بثوابت الدين.
غير أن النظر الأصولي الدقيق يكشف أن تغيّر الفتوى ليس خروجًا عن الشريعة، بل مظهر من مظاهر حيويتها وقدرتها على المواكبة.
أولًا: التمييز المنهجي بين الحكم الشرعي والفتوى
1. الحكم الشرعي: مصدره وطبيعته
الحكم الشرعي هو:
• خطاب الله المتعلق بأفعال المكلّفين،
• المستفاد من النصوص القطعية أو الظنية،
• وهو في ذاته ثابت من حيث المصدر.
غير أن هذا الثبات لا يعني الجمود في التطبيق، لأن الحكم الشرعي لا يُمارس في الفراغ، بل يُنزّل على واقع متغيّر.
2. الفتوى: تعريفها ووظيفتها
أما الفتوى فهي:
• بيان الحكم الشرعي في نازلة معيّنة،
• في زمانٍ ومكانٍ وحالٍ محدّد،
• بناءً على فهم المجتهد للنصوص والمقاصد والمآلات.
ولهذا عرّفها الأصوليون بأنها:
«إخبار عن حكم الله لا على وجه الإلزام».
فهي اجتهاد يُنسب إلى صاحبه، لا حكمًا إلهيًا يُنزّل منزلة القطع.
ثانيًا: الدليل النبوي على بشرية الاجتهاد
أرست السنة النبوية هذا التفريق بوضوح، حين قال النبي ﷺ:
«إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد».
وهذا الحديث يؤسس لجملة من القواعد الأصولية، أهمها:
1. مشروعية الاجتهاد.
2. إمكان الخطأ فيه.
3. عدم تأثيم المجتهد إذا استفرغ وسعه.
4. انتفاء العصمة عن الفتوى.
ولو كانت الفتوى حكم الله القطعي، لما كان للخطأ فيها أجر، ولا للاختلاف فيها سعة.
ثالثًا: قاعدة تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان
قرر العلماء قاعدة أصولية مشهورة، مفادها أن:
الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد والمآلات.
وقد قرر هذه القاعدة غير واحد من الأئمة، وعلى رأسهم ابن القيم، الذي أفرد لها فصولًا في إعلام الموقعين، وعدّ الجمود عليها خيانة لمقاصد الشريعة.
لماذا تتغير الفتوى؟
لأن:
• الأعراف تتغير،
• والمصالح تتبدل،
• والمآلات تختلف،
• والنوازل تتجدّد.
ولو لم تتغير الفتوى:
• لتعطّلت مصالح الناس،
• ولأُسيء تنزيل النص،
• ولتحوّل الدين إلى عبء لا هداية.
رابعًا: نماذج تاريخية لتغيّر الفتوى
1. تغيّر اجتهاد الصحابة
غيّر بعض الصحابة فتاواهم بتغيّر الواقع، ومن أشهر الأمثلة:
• اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في:
• إيقاف حد السرقة عام المجاعة،
• عدم إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة بعد قوة الإسلام.
وهذه الاجتهادات لم تكن تعطيلًا للنص، بل تنزيلًا مقاصديًا له.
2. تغيّر فتاوى الأئمة أنفسهم
غيّر الإمام الشافعي رحمه الله مذهبه:
• من العراق (المذهب القديم)
• إلى مصر (المذهب الجديد)
وذلك لاختلاف:
• الأعراف،
• والنوازل،
• والبيئات.
ولو كان الاجتهاد أمرًا قطعيًا، لما صحّ هذا التحول.
خامسًا: الفتوى والواقع المعاصر
في العصر الحديث، ازدادت الحاجة إلى فقه الواقع، بسبب:
• تعقّد العلاقات الاقتصادية،
• تطور النظم السياسية،
• تداخل الثقافات،
• وتسارع التحولات التقنية (ومنها الذكاء الاصطناعي).
ومن ثمّ، فإن تجميد الفتوى عند صيغ تاريخية دون مراعاة الواقع المعاصر:
• لا يحفظ الدين،
• ولا يخدم الناس،
• بل يسيء إلى صورة الشريعة.
سادسًا: الإشكال المعاصر – تقديس الفتوى وتحريم الاختلاف
تتمثل الأزمة اليوم في:
• التعامل مع الفتوى بوصفها دينًا،
• واعتبار مخالفتها خروجًا عن الشريعة،
• وتجريم النقاش العلمي باسم حماية الثوابت.
وهذا المسلك:
• يخالف منهج السلف،
• ويغلق باب الاجتهاد،
• ويحوّل الدين من هداية إلى أداة صراع.
الفصل الرابع
اختلاف الصحابة والتابعين: الجذور التاريخية للتعدد الفقهي المشروع
تمهيد
من أكثر التصورات شيوعًا – وخطورة – في الخطاب الديني المعاصر الاعتقاد بأن الخلاف الفقهي ظاهرة متأخرة، أو أنه نتيجة ضعف علمي أو اضطراب منهجي. والحقيقة أن هذا التصور يصطدم بحقيقة تاريخية راسخة، وهي أن الاختلاف وقع في خير القرون، وعلى أيدي الصحابة أنفسهم رضي الله عنهم، وهم الذين تلقّوا الوحي غضًّا طريًّا، وشهدوا التنزيل، وعاشوا مع النبي ﷺ.
ولا يمكن فهم طبيعة الشريعة الإسلامية، ولا فلسفة الاجتهاد فيها، دون الوقوف عند تجربة الصحابة والتابعين في إدارة الخلاف.
أولًا: مشروعية الاختلاف في ضوء السنة النبوية
1. الاختلاف في فهم النص – حديث بني قريظة
من أشهر النماذج المؤسسة للاجتهاد حديث النبي ﷺ:
«لا يُصلّينّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة».
فاختلف الصحابة في فهم الأمر:
• فريق حمل النص على ظاهره، فأخّر الصلاة حتى وصل.
• وفريق فهم المقصد، فصلّى في الطريق خشية خروج الوقت.
ولما ذُكر ذلك للنبي ﷺ لم يُعنّف واحدًا من الفريقين.
ويُعدّ هذا الحديث:
• أصلًا في مشروعية تعدد الفهم،
• ودليلًا على أن النص الواحد قد يحتمل أكثر من تنزيل صحيح،
• وتقريرًا نبويًا بأن الاختلاف في غير القطعيات ليس انحرافًا ولا تفريطًا.
ثانيًا: اختلاف الصحابة في الفتوى والقضاء
1. اختلافهم في مسائل الأسرة
اختلف الصحابة في مسائل عدّة، منها:
• عدة المتوفى عنها زوجها الحامل:
• فقال ابن مسعود: تنقضي بوضع الحمل.
• وقال علي وابن عباس: بأبعد الأجلين.
وكلا الرأيين بُني على فهم معتبر للنصوص، ولم يُبدّع أحدهما الآخر.
2. اختلافهم في المعاملات
اختلفوا في:
• بيع أمهات الأولاد،
• بعض صور الربا،
• أحكام السَّلَم.
وكان اختلافهم نابعًا من:
• اختلاف فهم النص،
• أو اختلاف تقدير المصلحة،
• أو اختلاف الأعراف السائدة.
3. اختلافهم في السياسة الشرعية
اختلف الصحابة في:
• قضايا الإمامة،
• تنظيم بيت المال،
• سياسات الأرض المفتوحة.
ومن أشهر الأمثلة اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عدم تقسيم أراضي السواد على الفاتحين، خلافًا لما وقع في فتوحات أخرى، مراعاةً لمصلحة الأمة العامة.
ثالثًا: أسباب اختلاف الصحابة
لم يكن اختلاف الصحابة عبثيًا، بل قام على أسباب علمية معتبرة، منها:
1. اختلافهم في سماع النصوص
فقد يسمع أحدهم حديثًا لم يسمعه الآخر.
2. اختلافهم في فهم الدلالة
بين حمل اللفظ على ظاهره أو مقصده.
3. اختلافهم في الترجيح بين الأدلة
عند التعارض الظاهري.
4. اختلافهم في تقدير المصلحة والمآل
خصوصًا في النوازل.
وهذه الأسباب نفسها هي التي شكّلت لاحقًا علم أصول الفقه.
رابعًا: موقف الصحابة من المخالف
اللافت في تجربة الصحابة أنهم:
• اختلفوا دون أن يتخاصموا،
• وتباينوا دون أن يتباغضوا،
• وتنازعوا في الرأي دون أن يتنازعوا في الدين.
فلم يكن الخلاف سببًا:
• للتكفير،
• ولا للتبديع،
• ولا لإخراج المخالف من الجماعة.
بل كان سمة من سمات النضج الديني.
خامسًا: انتقال الاختلاف إلى التابعين والمدارس الأولى
ورث التابعون هذا المنهج، فظهر:
• فقه المدينة (سعيد بن المسيب ومن معه)،
• وفقه الكوفة (إبراهيم النخعي ومن معه)،
• وفقه مكة (عطاء وطاووس).
واختلفت هذه المدارس:
• باختلاف البيئات،
• وتنوع الأعراف،
• وتفاوت النوازل.
وكان هذا الاختلاف نواة تشكّل المذاهب الفقهية الكبرى لاحقًا.
سادسًا: دلالة الاختلاف المبكر على مفهوم الإصلاح
إن إدراك حقيقة الاختلاف في العصر الأول يقود إلى نتيجة منهجية مهمة:
لو كان الاختلاف خطرًا على الدين، لما أقرّه النبي ﷺ، ولا مارسه الصحابة، ولا ورثه التابعون.
ومن ثمّ، فإن الدعوات التي ترى الإصلاح في:
• توحيد الفهم قسرًا،
• أو إلغاء التعدد الفقهي،
• أو فرض قراءة واحدة للدين،
هي دعوات تصادم التجربة الإسلامية الأولى، لا تمتّ إليها بصلة.
الفصل الخامس
شهادات المستشرقين في مرونة الفقه الإسلامي: عرضٌ علمي ونقدٌ منهجي
تمهيد
ليس المقصود بالاستشهاد بأقوال المستشرقين إضفاء الشرعية على الشريعة من خارجها، ولا جعل الفكر الغربي معيارًا للحكم على الإسلام، فالشريعة قائمة بذاتها، مكتفية بنصوصها ومقاصدها وتجربتها التاريخية.
غير أن توظيف شهادات بعض المستشرقين المنصفين يكتسب أهمية منهجية من زاويتين:
1. أنه يدحض دعوى الجمود التي يكررها بعض الخطاب المعاصر باسم الحداثة.
2. ويكشف أن كثيرًا من خصائص الفقه الإسلامي التي تُقدَّم اليوم بوصفها “إشكالًا” قد عُدّت – حتى عند باحثين غير مسلمين – مظاهر نضج قانوني متقدم.
أولًا: نويل ج. كولسون – الفقه الإسلامي كنظام قانوني حيّ
يُعدّ المستشرق البريطاني Noel J. Coulson من أكثر دارسي الفقه الإسلامي إنصافًا من الناحية المنهجية. ففي كتابه الشهير A History of Islamic Law يقرر أن الفقه الإسلامي:
“is not a rigid legal system, but a living organism that evolved through interpretation, disagreement, and adaptation to social realities.”
(ليس نظامًا قانونيًا جامدًا، بل كيانًا حيًّا تطوّر عبر التفسير والاختلاف والتكيّف مع الواقع الاجتماعي).
تحليل الشهادة
تكشف هذه العبارة عن فهم عميق لثلاث خصائص مركزية في الشريعة:
1. الاجتهاد بوصفه آلية تطور
2. الاختلاف بوصفه ظاهرة صحية
3. الواقع بوصفه عنصرًا معتبرًا في التنزيل
وهي الخصائص نفسها التي يُساء فهمها اليوم عند إسقاط نموذج Reform الغربي على الإسلام.
ثانيًا: لويس ماسينيون – وحدة العقيدة وتعدد الاجتهاد
أما المستشرق الفرنسي Louis Massignon، فقد ركّز في دراساته على البعد الروحي والفقهي للإسلام، وقرّر أن من أهم سمات الشريعة الإسلامية قدرتها على الجمع بين:
• وحدة المرجعية العقدية،
• وتعدد المناهج الفقهية.
وقد عبّر عن ذلك بقوله (بالمعنى):
“The strength of Islamic jurisprudence lies in its ability to maintain unity of faith alongside diversity of legal reasoning.”
دلالة هذه الشهادة
تكمن أهمية هذه الرؤية في أنها:
• تُسقِط وهم التعارض بين الوحدة والتعدد،
• وتؤكد أن التعدد الفقهي لم يكن يومًا تهديدًا لهوية الإسلام،
• بل كان أحد أسباب انتشاره وقدرته على التكيف مع بيئات مختلفة.
ثالثًا: جوزيف شاخت – الخلاف بوصفه نضجًا قانونيًا (مع التحفظ)
يُعدّ Joseph Schacht من أكثر المستشرقين إثارة للجدل، لما في أطروحاته من إشكالات كبيرة، خصوصًا في تعامله مع السنة النبوية.
ومع ذلك، يقرّ – رغم تحيزاته – بحقيقة مهمّة، وهي أن:
“Disagreement among Muslim jurists reflects a highly developed legal culture.”
قراءة نقدية
هذه الشهادة – رغم صدورها من باحث له مآخذ كبيرة – تدل على أن:
• الخلاف الفقهي لم يكن فوضى،
• بل كان تعبيرًا عن نظام قانوني ناضج،
• له أدواته وقواعده ومنهجيته.
غير أن الخطأ الذي يقع فيه بعض المفكرين المعاصرين هو تبني نتائج شاخت دون نقد مقدماته، أو استخدام شهادته ذريعة للطعن في التراث بدل فهمه.
رابعًا: وائل حلاق – الشريعة كنظام أخلاقي قانوني
من أبرز الباحثين المعاصرين في الفقه الإسلامي Wael B. Hallaq، الذي نقد بشدة إسقاط النماذج القانونية الغربية الحديثة على الشريعة.
وقد أكّد أن الشريعة:
• ليست مجرد منظومة قوانين،
• بل نظام أخلاقي متكامل،
• يقوم على الاجتهاد والضمير والمسؤولية.
ويرى حلاق أن محاولات “إصلاح” الشريعة وفق النموذج الحداثي:
تفشل لأنها لا تفهم طبيعة الشريعة من الداخل.
وهذه النتيجة تتقاطع مباشرة مع أطروحة هذا المقال.
خامسًا: إشكالية توظيف شهادات المستشرقين في خطاب الإصلاح
يقع بعض الخطاب الإصلاحي المعاصر في خطأ مزدوج:
1. إما رفض كل ما قاله المستشرقون جملةً، دون تمييز.
2. أو الارتهان الكامل لشهاداتهم، وجعلها مرجعية نهائية.
والمنهج العلمي الصحيح يقتضي:
• الإفادة من المنصف،
• ونقد المتحيز،
• وعدم جعل الشريعة بحاجة إلى “تصديق خارجي”.
سادسًا: دلالة هذه الشهادات على مفهوم Reform
تُظهر هذه الشهادات أن:
• كثيرًا مما يُطالَب به اليوم تحت شعار Reform،
• هو في الحقيقة جزء أصيل من بنية الشريعة الإسلامية.
فالاجتهاد، والاختلاف، والتكيف مع الواقع:
• ليست مكتسبات حداثية،
• بل عناصر تأسيسية في الفقه الإسلامي منذ نشأته.
الفصل السادس
الإشكال المعاصر: تديين الظني وتقديس الرأي في خطاب الإصلاح
تمهيد
إذا كانت الفصول السابقة قد بيّنت البنية الأصولية للشريعة الإسلامية، وسعة مجال الاجتهاد فيها، وتجذر الاختلاف في تاريخها المبكر، فإن هذا الفصل ينتقل إلى تشخيص الخلل المعاصر الذي جعل كثيرًا من دعوات الإصلاح تنقلب – paradoxically – إلى عامل تضييق بدل أن تكون أداة توسعة.
ويتمثل هذا الخلل في ظاهرتين متلازمتين:
1. تديين الظني
2. تقديس الرأي والاجتهاد البشري
وهما ظاهرتان لا تمسان جوهر الشريعة، بقدر ما تكشفان عن أزمة في الخطاب الديني ومنهج تنزيل الأحكام.
أولًا: ماذا نعني بتديين الظني؟
تديين الظني يعني:
• التعامل مع المسائل الاجتهادية
• بوصفها أحكامًا إلهية قطعية
• لا تحتمل الخلاف ولا النقاش
فيُنتقل بالمسألة:
• من كونها رأيًا فقهيًا
• إلى كونها واجبًا دينيًا ملزمًا
• ثم إلى معيار للتقويم والاصطفاف
وهذا التحول لا يستند إلى أصول الشريعة، بل يناقضها.
ثانيًا: الجذور الفكرية لهذه الظاهرة
1. الخلط بين الدين والفهم
من أخطر مظاهر الخلل المعاصر عدم التمييز بين الدين بوصفه وحيًا، والفهم البشري له بوصفه اجتهادًا.
فيُعامل الفهم كما يُعامل النص، وتُمنح آراء العلماء منزلة العصمة دون تصريح.
وقد حذّر الأئمة من هذا المسلك مبكرًا، فقال الإمام مالك:
«كلٌ يؤخذ من قوله ويُردّ إلا صاحب هذا القبر».
2. الخوف من الاختلاف
يدفع الخوف من الفوضى الفكرية بعض الخطابات إلى إغلاق باب الخلاف المشروع، ظنًا أن وحدة الرأي شرط لوحدة الأمة، مع أن التجربة التاريخية أثبتت عكس ذلك.
3. تسييس الفتوى وتسليع الخطاب الديني
في السياق المعاصر، تداخلت:
• السلطة،
• والإعلام،
• والهوية،
في إنتاج خطاب ديني يميل إلى القطع والحسم بدل التدرج والاجتهاد، مما عزز نزعة تقديس الرأي الواحد.
ثالثًا: آثار تديين الظني على الشريعة والمجتمع
1. تضييق ما وسّعه الله
حين تُحوَّل المسائل الظنية إلى قطعيات:
• تُصادَر الرخص،
• ويُضيَّق على الناس في معاشهم،
• ويُحَمَّلون ما لم يُكلَّفوا به شرعًا.
2. تشويه صورة الشريعة
يُقدَّم الدين – في أعين كثيرين – بوصفه:
• منظومة قسرية،
• غير قابلة للتعدد،
• معادية للأسئلة.
وهو تصوير يتناقض مع حقيقة الشريعة وتاريخها.
3. إغلاق باب الإصلاح الحقيقي
حين يُجرَّم السؤال، ويُخوَّن الاجتهاد، يصبح “الإصلاح” شعارًا فارغًا، وتتحول الدعوة إليه إلى أداة ضبط لا أداة إحياء.
رابعًا: المفارقة في خطاب Reform المعاصر
من المفارقات اللافتة أن:
• بعض الخطاب الذي يرفع شعار Reform
• يمارس في الواقع أقصى درجات الجمود
إذ يستبدل:
• قطعيات الوحي
• بقطعيات أيديولوجية حديثة
ويطالب الناس بالتحرر من “التقليد”،
بينما يفرض عليهم نموذجًا واحدًا للفهم والتأويل.
خامسًا: الإصلاح الحقيقي في ضوء المنهج الأصولي
الإصلاح في المنظور الإسلامي لا يكون بـ:
• هدم التراث،
• ولا بتقديسه،
• ولا باستيراد نماذج جاهزة،
بل يكون عبر:
1. إعادة الاعتبار لعلم أصول الفقه،
2. تحرير منزلة الفتوى،
3. توسيع دائرة الظنيات كما وسّعها الشرع،
4. إدارة الخلاف بدل إنكاره.
سادسًا: نحو خطاب إصلاحي منضبط
يقترح هذا المقال أن أي خطاب إصلاحي جاد ينبغي أن يقوم على:
• التمييز الصارم بين القطعي والظني،
• احترام التعدد الفقهي المشروع،
• مراعاة الواقع دون تفريط في الثوابت،
• الفصل بين الدين والاجتهاد البشري.
وبغير ذلك، ستظل دعوات الإصلاح تُعيد إنتاج الأزمة بدل حلها
الخاتمة
نحو فهمٍ أصيل للإصلاح ومواكبةٍ واعية للشريعة
أولًا: خلاصة الأطروحة العامة
سعى هذا المقال إلى معالجة إشكالية “الإصلاح الديني” من زاوية منهجية أصولية، لا من موقع الرفض الانفعالي ولا من موقع التسليم غير النقدي. وانطلق من فرضية مركزية مفادها أن الشريعة الإسلامية لا تعاني من ضيق بنيوي يستدعي إعادة تشكيلها، بل من سوء فهمٍ وتنزيلٍ يُضيّق ما وسّعه الله.
وقد بيّن البحث، عبر تتبعٍ علمي تاريخي وأصولي، أن:
• الإصلاح في الإسلام أصيل في نصوصه ومقاصده،
• وأن الشريعة قامت منذ نشأتها على التوازن بين الثبات والمرونة،
• وأن الاجتهاد والاختلاف ليسا طارئين ولا استثناءً، بل مكوّنين تأسيسيين في بنيتها.
ومن ثمّ، فإن كثيرًا من دعوات Reform المعاصرة لا تخطئ الهدف فحسب، بل تخطئ التشخيص أصلًا، حين تفترض أن الأزمة في النص أو في التشريع، بينما الأزمة الحقيقية في الخطاب الديني، وفي تحويل الظني إلى قطعي، والاجتهاد إلى دين.
ثانيًا: الإصلاح بين المفهوم الغربي والمنهج الإسلامي
أوضح المقال أن مصطلح Reform نشأ في سياق ديني غربي خاص، ارتبط بإصلاح مؤسسة كنسية مغلقة وسلطة تفسيرية محتكرة، وهو سياق يختلف جذريًا عن السياق الإسلامي الذي لم يعرف كهنوتًا، ولا احتكارًا للنص، ولا إلغاءً للتعدد.
وليس الإشكال – كما بيّن البحث – في المصطلح ذاته، بل في إسقاطه المفاهيمي غير المنضبط على شريعةٍ تملك في داخلها آليات الإصلاح والتجديد منذ قرون. فحين يُنزَّل Reform بمعاييره الغربية الصارمة على الإسلام، تُختزل الشريعة في صورة ضيقة لا تعبّر عن حقيقتها، ولا عن تاريخها الاجتهادي الواسع.
ثالثًا: مركزية التفريق بين القطعي والظني
أكد المقال أن التمييز بين القطعي والظني هو مفتاح الإصلاح الحقيقي، وأن إهماله يؤدي إلى:
• تجريم الخلاف المشروع،
• تقديس الرأي البشري،
• وإلزام الناس بما لم يُلزِمهم الله به.
وقد أثبت البحث أن مساحة الظنيات في الشريعة ليست خللًا، بل مقصود شرعي لتحقيق المواكبة، ومراعاة اختلاف الزمان والمكان والأحوال. وأن تحويل هذه المساحة إلى قطعيات مغلقة يُعدّ انحرافًا عن المنهج الأصولي، لا دفاعًا عن الدين.
رابعًا: الفتوى والاجتهاد بوصفهما أداة مواكبة
بيّن المقال أن الفتوى:
• اجتهاد بشري،
• يتغيّر بتغيّر الواقع،
• ولا يُنزّل منزلة الحكم الإلهي القطعي.
وأن تغيّر الفتوى ليس تمييعًا للشريعة، بل تفعيل لمقاصدها. وقد دلّت التجربة التاريخية – من اجتهادات الصحابة إلى تحوّلات الأئمة – على أن حركية الفتوى كانت دائمًا جزءًا من حيوية الشريعة لا خروجًا عليها.
خامسًا: دلالة التجربة التاريخية وشهادات الآخرين
كشف المقال أن:
• اختلاف الصحابة والتابعين كان اختلافًا مؤسَّسًا لا فوضويًا،
• وأن إدارة الخلاف كانت سمة نضج لا علامة ضعف.
كما بيّن أن شهادات بعض المستشرقين المنصفين – رغم التحفظات المنهجية عليها – تؤكد أن الفقه الإسلامي يُمثّل نظامًا قانونيًا أخلاقيًا متقدمًا، وأن مرونته واجتهاده هما سر بقائه وانتشاره، لا موطن ضعفه.
المخرجات العلمية للمقال
يخرج هذا البحث بعدد من النتائج العلمية المركزية، من أهمها:
1. الإصلاح في الإسلام مفهوم داخلي أصيل، لا استعارة فكرية وافدة.
2. الشريعة ثابتة في أصولها، مرنة في فروعها، ولا تعارض بين الثبات والمواكبة.
3. الاجتهاد والاختلاف عنصر قوة تشريعية، لا اضطراب منهجي.
4. الفتوى اجتهاد بشري متغير، ولا يجوز تديينها أو تقديسها.
5. أزمة الإصلاح المعاصرة هي أزمة خطاب ومنهج، لا أزمة نص وتشريع.
6. إسقاط نماذج Reform الغربية على الإسلام دون تحرير مفاهيمي يؤدي إلى تشويه صورة الشريعة بدل إصلاحها.
التوصيات البحثية
يوصي المقال بما يلي:
1. إعادة الاعتبار لعلم أصول الفقه في الخطاب الإصلاحي المعاصر.
2. إدراج التفريق بين القطعي والظني في المناهج التعليمية والدعوية.
3. تحرير مفهوم الفتوى من النزعة التقديسية والإلزام القسري.
4. تشجيع دراسات مقارنة ناقدة بين Reform الغربي ومنهج الإصلاح الإسلامي.
5. بناء خطاب ديني معاصر يُدير الخلاف بدل إنكاره، ويستوعب التعدد بدل قمعه.
الخلاصة الختامية
إن الشريعة الإسلامية لا تحتاج إلى إعادة بناء، بل إلى إعادة فهم؛
ولا تحتاج إلى كسر ثوابتها، بل إلى تفعيل مرونتها؛
ولا تحتاج إلى استيراد نماذج إصلاحية من خارجها،
لأن أدوات الإصلاح كانت – ولا تزال – جزءًا أصيلًا من بنيتها الداخلية.
فما تحتاجه الأمة اليوم ليس إصلاح الدين، بل إصلاح النظر إلى الدين
——————
الحواشي:
1. أبو داود، السنن، كتاب الملاحم، باب ما يُذكر في قرن المائة. يُستشهد به على معنى إحياء السنة، وإن اختلفت ألفاظ الروايات.
2. محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة، تحقيق أحمد شاكر (القاهرة: مكتبة الحلبي، د.ت)، 20–25.
3. أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز (القاهرة: دار المعرفة، د.ت)، 2:302–310.
4. أبو حامد الغزالي، المستصفى من علم الأصول (بيروت: دار الكتب العلمية، 1993)، 1:109–112.
5. البخاري، صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ؛ ومسلم، صحيح مسلم، كتاب الأقضية.
6. شمس الدين ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين (بيروت: دار الكتب العلمية، 1991)، 3:3–10.
7. البخاري، صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب.
8. ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله (القاهرة: دار ابن الجوزي، 1994)، 2:80–95.
9. أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، رفع الملام عن الأئمة الأعلام (القاهرة: مكتبة ابن تيمية، د.ت)، 7–15.
10. محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية (القاهرة: دار الفكر العربي، 1956)، 1:15–30.
11. يوسف القرضاوي، الفتوى بين الانضباط والتسيب (القاهرة: دار الشروق، 1994)، 33–55.
المراجع الاستشراقية والدراسات المقارنة
12. Noel J. Coulson, A History of Islamic Law (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1964), 75–85.
13. Louis Massignon, Essai sur les origines du lexique technique de la mystique musulmane (Paris: Vrin, 1954), Introduction.
14. Joseph Schacht, An Introduction to Islamic Law (Oxford: Oxford University Press, 1964), 1–10.
15. Wael B. Hallaq, The Origins and Evolution of Islamic Law (Cambridge: Cambridge University Press, 2005), 1–23.
16. Wael B. Hallaq, An Introduction to Islamic Law (Cambridge: Cambridge University Press, 2009), 15–40.
مراجع مقاصدية ومعاصرة مسانِدة
17. طاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية (تونس: دار السلام، 2006)، 63–80.
18. عبد الله بن بيه، صناعة الفتوى وفقه الأقليات (جدة: دار المنهاج، 2011)، 45–70.






