آراء متعددةالمقالات

قراءة تحليلية… الإمارات في خرائط التمويل الحوثي

لم تعد الحروب الحديثة تُدار فقط عبر البنادق والصواريخ، بل بات المال أحد أخطر أسلحتها، وأصبحت الشركات والواجهات التجارية جزءًا من بنية الصراع، لا مجرد كيانات اقتصادية محايدة. وفي هذا السياق، يكتسب بيان وزارة الخزانة الأمريكية الصادر يوم الجمعة الماضي أهمية خاصة، بوصفه وثيقة سياسية – مالية تعيد رسم خريطة التمويل غير المشروع لمليشيا الحوثي، وتكشف عن طبيعة الاقتصاد الموازي الذي تديره الجماعة عبر شبكات عابرة للحدود.

البيان، الذي وصف حزمة العقوبات بأنها الأوسع منذ إعادة تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، لم يتعامل مع الجماعة بوصفها فصيلًا مسلحًا فقط، بل قدّمها ككيان اقتصادي منظم يدير بنية تحتية مالية ولوجستية متكاملة، تضم 21 شخصًا وكيانًا، إضافة إلى سفينة جرى تصنيفها أصلًا خاضعًا للتجميد، في إطار شبكة تمكّن الحوثيين من تمويل عملياتهم العسكرية وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وتبرز في قلب هذه الشبكة شركة «جنة الأنهار للتجارة العامة» (Janat Al Anhar General Trading LLC)، المسجلة في دولة الإمارات، والتي وصفها البيان بأنها إحدى أخطر الحلقات المالية الخارجية للحوثيين، حيث تعمل فعليًا كغرفة مقاصة لحوالات السوق السوداء المرتبطة بالجماعة، وتُصفّى عبرها الأموال المستخدمة في شراء السلع المهربة وقطع الغيار والمعدات، وصولًا إلى شحنات مرتبطة بالتسليح قادمة من الصين ودول أخرى.

وتشير المعطيات الواردة في البيان إلى أن الشركة تربط شبكة واسعة من التجار في صنعاء بقنوات مالية خارجية داخل الإمارات وخارجها، بما يسمح بإدارة تدفقات مالية موازية خارج النظام المصرفي الرسمي وبعيدًا عن الرقابة الدولية. وهو ما يكشف عن تحوّل الشركات المسجلة قانونيًا إلى أدوات تشغيل داخل اقتصاد الحرب، تُستخدم كواجهات لعبور الأموال بدلًا من الحقائب النقدية التقليدية.

ويذهب البيان أبعد من ذلك حين يؤكد أن الحوثيين يجنون أكثر من ملياري دولار سنويًا من بيع النفط بطرق غير مشروعة بدعم إيراني، عبر شركات تعمل في الإمارات وسلطنة عمان، تشمل شركات نفط وخدمات لوجستية ومالية وشبكات صرافة، إلى جانب محاولات لإنشاء شركات طيران وشراء طائرات لاستخدامها في التهريب وتوليد الإيرادات، فضلًا عن استخدام بورصة دبي في أنشطة مالية مشبوهة.

هذه المعطيات لا تكشف فقط عن حجم الاقتصاد الحوثي غير المشروع، بل تعيد تعريف طبيعة الصراع في اليمن من كونه مواجهة عسكرية إلى كونه حربًا على شبكة مالية دولية تستخدم أدوات التجارة والنقل والتسجيل التجاري لإدامة اقتصاد الحرب وتمويل الإرهاب وتهديد أمن الملاحة العالمية.

واللافت في هذا المشهد أن ساحات الصراع لم تعد محصورة في مناطق النزاع، بل انتقلت إلى المراكز التجارية والمالية الإقليمية، حيث تتحول بعض البيئات الاقتصادية المفتوحة إلى مسارح تشغيل لشركات الواجهة، وتصبح منظومات الامتثال المالي خط الدفاع الأول في مواجهة حروب الوكالة الحديثة.

إن قراءة بيان الخزانة الأمريكية يجب ألا تُختزل في بعدها القانوني، بل ينبغي فهمها ضمن سياق أوسع يعكس تحوّل الاقتصاد غير المشروع إلى سلاح استراتيجي في صراعات النفوذ الإقليمي، حيث تتداخل السياسة بالتجارة، والأمن بالمال، والدولة بالشركة.

وما يجري اليوم يؤكد أن معركة استقرار اليمن وأمن البحر الأحمر لم تعد معركة حدود وجبهات، بل معركة شبكات وتمويل ومسارات تهريب، وأن كسر هذا الاقتصاد الموازي بات شرطًا أساسيًا لأي تسوية سياسية حقيقية في المنطقة

ختامًا
لم تعد المليشيات تُقاتل بالسلاح وحده، بل بالشركات أيضًا.
ومن لا يقرأ خرائط المال، لن يفهم خرائط الحرب.

مكة تقرأ

نقرأ معًا من صحيفة مكة الإلكترونية نصوصًا ومقالاتٍ تحمل المعنى، وتفتح النوافذ نحو العقول والقلوب…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى