ما الذي يجعل أمةً تُبدع وأخرى تستهلك؟ سؤالٌ يكشف جوهر التحول الحضاري في زمنٍ صارت فيه الفكرة أصلَ المعرفة، وباتت المعرفة موردًا اقتصاديًا ينافس النفط والمعادن.
لم يعد الابتكار خيارًا تنمويًا، بل ثقافة وطنية يصوغها التعليم منذ الطفولة ويعمّقها في الجامعة، لتتحول المعرفة إلى وعيٍ منتج في المجتمع. والتحدي اليوم أن ينتقل التعليم من نقل المعرفة إلى توليدها، ومن تلقين الفكر إلى صناعته. وأصبح الابتكار معيارًا لفاعلية الدول في تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية ملموسة، فالثروة تُقاس اليوم بقدرة المجتمعات على إنتاج المعرفة واستثمارها.
ومن هذا المنطلق، يظل التعليم حجر الزاوية في منظومة الابتكار الوطني، لكنه بحاجة إلى إعادة تعريف وظيفته؛ بحيث ينتقل من نقل المعرفة إلى إنتاجها. ولأن الابتكار لا يُستورد جاهزًا، بل يُبنى عبر تكوين تربوي طويل المدى، فإن نقطة البدء الحقيقية تبدأ من حيث تتشكل أنماط التفكير الأولى.
تبدأ ملامح الابتكار من الطفولة المبكرة؛ حيث تتشكل بذور الخيال والفضول والاستقلالية. وتشير مستهدفات رؤية المملكة 2030 إلى رفع نسبة الالتحاق برياض الأطفال إلى 90%، بينما ما تزال الفجوة كبيرة مقارنةً بالمستهدفات والطموحات الوطنية.
وهذه الفجوة ليست رقمًا إداريًا، بل فرصة وطنية لتوسيع قاعدة الانطلاق نحو تعليمٍ يبدأ من الخيال لا من الحفظ. ففي التجارب العالمية الرائدة، تُدار رياض الأطفال كمختبرٍ للتجريب والاكتشاف، لا كمرحلة تهيئة أكاديمية. وحين يتعلم الطفل كيف يجيب قبل أن يُتاح له أن يسأل، تضعف شرارة التساؤل التي تُشعل التفكير.
ويمتد التحدي إلى التعليم العام؛ إذ ما زالت المدرسة في بعض الممارسات أسيرة ثقافة الاختبار أكثر من ثقافة التفكير. ورغم تنامي حضور مفاهيم التفكير الناقد، وتوسع مبادرات STEM داخل بعض المسارات النوعية والبرامج الإثرائية—ولا سيما في فصول الموهوبين—فإن نقل هذه الممارسات إلى التعليم العام بوصفها ثقافة تعلم شاملة لا يزال في طور التمكين الميداني.
أما في الأنظمة التعليمية المتقدمة، فيُبنى التعلم على المشروعات وحل المشكلات الواقعية. ويُقاس النجاح بقدرة المتعلم على التحليل والإبداع، لا بقدرته على الاسترجاع السريع. غير أن أي تطوير في ثقافة التعلم داخل المدرسة لا يتحقق بالنصوص والبرامج وحدها، بل بمن يصنع التعلم يوميًا داخل الصف.
ويمثل المعلم حجر الزاوية في هذا المسار. فبرامج التأهيل المهني شهدت توسعًا نوعيًا، لكنها مدعوة اليوم إلى نقلةٍ أعمق في فلسفتها وأثرها. فالمعلم ليس منفّذًا للنظام، بل شريكًا في تحريكه. والمعلم المبتكر يُقاس بقدرته على تحفيز عقول طلابه ضمن بيئة تسمح بالتجريب وتقبّل الخطأ؛ لأن المساحة التي يُتاح فيها السؤال هي التي تُنبت الفكرة الجديدة.
كما أن ربط الابتكار بالتقويم شرطٌ حاسم. فحين يتحول التقويم إلى أداة لقياس الفهم العميق وحل المشكلات—لا لاستعادة المعلومات—يصبح الصف حاضنة للابتكار، لا محطةً للاختبار. إلا أن تمكين المعلم من ممارسة هذا الدور يظل مشروطًا بثقافة مؤسسية تسمح بالتجريب وتقبل المخاطرة التعليمية المحسوبة.
والابتكار لا يولد في بيئة تخشى الخطأ؛ بل في بيئة تنظيمية تُشجّع التجريب، وتسمح بالمخاطرة التعليمية المحسوبة، وتتعامل مع الخطأ بوصفه مادةً للتعلم والتحسين، لا سببًا للوم أو تثبيط. وعندما يُفهم التجريب على أنه منهج تطوير، لا خروج على النظام، تتحول المدرسة من فضاءٍ للتنظيم إلى فضاءٍ للإلهام. كما تتحول من مكانٍ للتعليم إلى بيئةٍ للتفكير الجماعي وصناعة الحلول.
ولا يمكن لأي منظومة تعليمية أن تُنتج الابتكار دون رعاية الموهبة وتمكينها. ويُعد نموذج “موهبة” خطوة وطنية متقدمة، إلا أن التحدي الأكبر يتمثل في تحويل الابتكار من “برنامجٍ نوعي” إلى “ثقافة مدرسية عامة”. ويتحقق ذلك عبر بناء مسارات ابتكار داخل المدارس، وإتاحة أندية علمية ومشروعات بحثية صفية، ودمج الإنتاج المعرفي في حياة المدرسة اليومية؛ بحيث يصبح الابتكار ممارسة تربوية تشمل الجميع، لا نخبوية محدودة.
وفي قمة الهرم تأتي الجامعة بوصفها بيت المعرفة ومحرك الابتكار. ومع أن الحراك البحثي في المملكة يشهد نموًا متصاعدًا—ومن ذلك ارتفاع عدد براءات الاختراع المسجلة وفق إحصاءات WIPO في السنوات الأخيرة—فإن التحدي لا يقتصر على عدد البراءات، بل على قدرتها على التحول إلى منتجات وحلول وشركات ناشئة تسهم في الاقتصاد الوطني. وهذا يستدعي سياسات أكثر فاعلية تربط البحث بريادة الأعمال، وتبسط أنظمة الملكية الفكرية، وتحفز الشراكات الصناعية، وتربط تمويل البحث باحتياجات التنمية.
ولجعل التعليم رافعة وطنية للابتكار، لا بد من هندسة منظومة تعليمية مترابطة تُنتج المعرفة وتستثمرها عبر ثمانية مسارات تشكّل خريطة عمل نحو تعليمٍ مبدع وفاعل:
1. الطفولة المبكرة بوصفها نقطة الانطلاق الحضاري
توسيع فرص الالتحاق النوعي برياض الأطفال، وتصميم مناهج لعبٍ موجّه تُنمّي الخيال والاستقصاء، وتُرسّخ التفكير العلمي منذ السنوات الأولى.
2. منهجٌ يتعلم لا يُدرّس
تحويل المناهج إلى تعلمٍ بالمشروعات وحل المشكلات الواقعية، يربط الدروس بقضايا التنمية الوطنية، ويغرس التفكير التصميمي والابتكار الاجتماعي.
3. المعلم قائد التغيير لا منفّذه
تمكين المعلمين من قيادة التجريب التربوي داخل الصف، وتوجيه التنمية المهنية نحو ممارساتٍ تحفّز التفكير النقدي والإنتاج المعرفي، وربط التقويم بقياس الفهم والتطبيق لا الحفظ والاسترجاع.
4. المدرسة مختبر تفكيرٍ جماعي
إعادة تعريف المدرسة كمؤسسةٍ مفكّرة تُنتج الأفكار قبل النتائج، وتعزز التعاون والتغذية الراجعة لبناء حلولٍ قابلة للتطبيق.
5. الأنشطة اللاصفية منصّاتٌ وطنية للابتكار الطلابي
تطوير البرامج الإثرائية لتصبح مساراتٍ لاكتشاف المواهب المبكرة، واستثمار طاقات الطلاب في مشاريع علمية وثقافية تخدم المجتمع.
6. جامعةٌ تفكّر بعقل الاقتصاد المعرفي
مواءمة السياسات الجامعية مع متطلبات الاقتصاد المعرفي، وربط التمويل البحثي بالعائد التطبيقي من خلال الحاضنات والمسرّعات الجامعية.
7. بحثٌ تطبيقي يصنع القيمة
دعم الأبحاث القابلة للتحويل إلى تطبيقات ومنتجات، وتبسيط أنظمة الملكية الفكرية؛ لضمان عدالة العوائد وتحفيز الاستثمار البحثي.
8. حوكمة وطنية للابتكار التعليمي الذكي
بناء منظومة قيادة تربط التعليم العام والجامعي وهيئات التقويم والتدريب وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار في لوحة قيادة موحّدة. منظومة تُحوّل البيانات إلى قرارات، وتقيس الأثر لا الجهد، وتضمن التكامل المؤسسي والاستدامة المعرفية.
وحين يُعاد ربط التعليم بسوق العمل والبحث التطبيقي وريادة الأعمال، يتحول إلى منظومة إنتاجٍ معرفي تدعم الاقتصاد الوطني وتغذي مسار التنمية المستدامة. فالتعليم الفعّال لا يُدار باللوائح وحدها، بل بالعقل المبدع القادر على تحويل الفكرة إلى قيمة، والمعرفة إلى أثر. ولهذا ليست القضية في كثرة ما نعلّم، بل في وظيفة ما نعلّم: هل نبني عقلًا يستهلك المعرفة، أم عقلًا يُنتجها ويحوّلها إلى قيمة؟ عندها فقط يصبح التعليم رافعةً للاقتصاد القائم على المعرفة، وتغدو رؤية المملكة 2030 وبرنامج تنمية القدرات البشرية مسارًا عمليًا للتنافسية العالمية.
• أستاذ القيادة التربوية
المدير العام للتعليم بمنطقة مكة ( سابقاً )ش







مقالة ضخمة ! حوت منهجا وقواعد للتعليم الأكثر بناء للإنسان وتنمية للفكر .. وعبارة ذهبية الوزن ؛
( أن ينتقل التعليم من نقل المعرفة إلى توليدها، ومن تلقين الفكر إلى صناعته.)
كنت أيام عملي أمر على بعض معلمي المرحلة الثانوية وأراهم يطالبون الطلاب بحفظ النظريات وفي المعمل يطبقونها نفسها .. وأرى بعض معلمي الرياضات لايقبلون من الطلاب حلا بغير الطريقة التي درسوها في الصف..
وأتعجب من ذلك !
– ليت المعلمين يجعلون من هذا المقال نشاطا لهم في جلسة ما يتدارسونه ويستفيدون من تطبيقه قدر المتاح ، فلا أعلم مانعا تنظيميا من ذلك ومالا يدرك كله .. سيدرك جله .
شكرا للكاتب القدير الخبير أ. د أحمد الزائدي