حين ننظر بجدية إلى المؤشرات الدولية، لم يعد ممكنًا قراءة نتائج التعليم السعودي باعتبارها أرقامًا مطمئنة أو قابلة للتجميل. فالحقيقة واضحة: التحدي الجوهري لا يبدأ في نهايات المسار التعليمي، ولا في منتصفه، بل في بداياته الأولى… وتحديدًا في الصفوف المبكرة التي يُبنى فيها كل شيء، أو يتصدع قبل أن نشعر.
نتائج اختبار PIRLS، الذي يقيس الفهم القرائي المبكر، تكشف أن نسبة معتبرة من طلابنا تغادر هذه المرحلة دون امتلاك الحد الأدنى من مهارات القراءة. وهنا يظهر أحد أخطر المؤشرات التعليمية العالمية اليوم: “فقر التعلّم”.
فقر التعلّم ليس توصيفًا صحفيًا ولا حكمًا انفعاليًا. إنه مؤشر رسمي طوّره البنك الدولي بالتعاون مع اليونسكو لقياس نسبة الأطفال غير القادرين على قراءة نص بسيط وفهمه بحلول سن العاشرة. وهو مؤشر شديد الحساسية؛ لأنه لا يقيس مهارة مدرسية محدودة، بل يقيس قدرة الطفل على الدخول إلى عالم المعرفة كله.
فالطفل الذي لا يقرأ لن يتعلم العلوم جيدًا، ولن يفهم الرياضيات بعمق، ولن يبني مهارات التفكير العليا. ولهذا تُجمع الأدبيات التربوية على أن فقر التعلّم أخطر أشكال الفقر في المجتمعات الحديثة؛ لأنه يمس رأس المال البشري ويهدد مستقبل التنمية.
يكفي أن نعرف أن PIRLS يقيس مهارات القراءة في الصف الرابع، وأن TIMSS يقيس تحصيل الرياضيات والعلوم في الصفين الرابع والثامن، بينما يركّز PISA على الطلاب في سن الخامسة عشرة لقياس قدرتهم على توظيف مهاراتهم في الحياة. هذه الاختبارات معًا ترسم خريطة مترابطة لنواتج التعلّم من السنوات المبكرة حتى منتصف المراهقة.
وتُظهر بيانات البنك الدولي واليونسكو الحديثة أن مستوى فقر التعلّم في السعودية قبل الجائحة وبعدها ما يزال مرتفعًا، ويظل أعلى من متوسط دول الدخل المرتفع بفجوة ذات دلالة تربوية واضحة. ورغم أن الجائحة أثرت عالميًا، فإن موقعنا مقارنة بالأنظمة ذات الأداء العالي ما يزال يتطلب استجابة أعمق وأكثر مسؤولية.
فقر التعلّم ليس رقمًا جامدًا في تقرير دولي، بل حالة إنسانية وتربوية موجعة. معناها ببساطة: طفل في العاشرة لا يستطيع قراءة نص بسيط. وهذه ليست مشكلة لغوية عابرة، بل إخفاق في أهم وظيفة تعليمية: تمكين الطفل من الأداة التي يتعلم بها كل شيء لاحقًا. فضعف القراءة يحاصر الطفل بعجز صامت يمتد معه سنوات، ويتحول إلى مشكلة تعليمية واجتماعية ومعيشية حقيقية.
لكن الأخطر من النتائج هو السياق الذي صنعها. فهذا الواقع لم يولد فجأة، بل تشكّل عبر سنوات. ففي الوقت الذي انصرفت فيه بعض السياسات التعليمية إلى قضايا تنظيمية وإدارية، لم تحظَ السنوات التأسيسية – في فترات معينة – بالاهتمام والاستثمار اللازمين. كما أن إعداد معلم الصفوف المبكرة لم يحظَ دائمًا بالعمق التخصصي الكافي ولا بالهيكل المهني الملزم الذي يتناسب مع حساسية هذه المرحلة المصيرية.
وفي الأنظمة التي تصدرت نتائج PIRLS – مثل فنلندا وإستونيا وسنغافورة وكندا – يُعامل معلم السنوات الأولى بوصفه أهم معلم في النظام التعليمي كله؛ هو الأكثر انتقاءً وتأهيلاً، لأنه يرسم المسار المستقبلي للتعلّم. والإشارة إلى هذه الدول ليست دعوة لاستنساخ تجاربها، بل دعوة للاستفادة من منطقها في جعل السنوات الأولى الركيزة الحقيقية لأي نظام تعليمي ناجح.
أما في واقعنا، فلم تكن المشكلة متمثلة في شخص معلم الصف الأول ، بل في منظومة لم تمنحه دائمًا الإعداد الكافي، ولا أدوات التقويم المبكر الفعّالة، ولم تُرسّخ بالقدر المطلوب ثقافة مدرسية ترى أن السنوات الأولى سنوات مصيرية لا “مرحلة عابرة” في السلم التعليمي. ومع غياب مسار مهني واضح، وتنمية مهنية مستمرة وملزمة، كان طبيعيًا أن تتأثر الجودة في عدد من المدارس، وأن تتحول مرحلة بهذه الحساسية إلى ممارسة اعتيادية، بينما كان يفترض أن تكون الأكثر اهتمامًا ورعاية.
وإلى جانب ذلك، تعاملت المناهج والممارسات الصفية في كثير من المدارس مع القراءة بوصفها واجبًا روتينيًا أو مجرد مهارة لاجتياز تقويم، لا بوصفها نافذة للفهم وبناءً للمعنى والوعي. أما في الدول ذات الأداء العالي، فالقراءة ليست لإكمال واجب ولا لعبور امتحان، بل لبناء عقل قادر على التفكير باللغة وفهم العالم عبر النص.
وهكذا تصبح النتيجة منطقية: طفل يخرج من الصفوف المبكرة ضعيف القراءة سيحمل هذا الضعف معه طوال مساره التعليمي، وستنعكس آثاره في TIMSS وPISA وغيرها من المؤشرات. والحقيقة الأعمق أن المشكلة لم تبدأ هناك، بل بدأت في نقطة التأسيس الأولى… وكان يمكن منعها لو وُضعت هذه المرحلة في موقعها الصحيح من الاهتمام والسياسة التعليمية.
ومن هنا يبرز سؤال وطني لا يجوز تأجيله، وينبغي أن يكون في صميم التحول التعليمي الذي تقوده وزارة التعليم:
هل نمتلك اليوم رؤية وطنية واضحة ومعلنة وملزمة تضمن أن يغادر كل طفل الصفوف المبكرة متقنًا للقراءة فهمًا لا شكلاً؟
وهل تُدار هذه المرحلة بوصفها أولوية استراتيجية حاسمة ترسم مستقبل النظام التعليمي كله، لا محطة عابرة في تسلسل إداري طويل؟
ليس المقصود بهذا التشخيص القول إن الجهود غائبة؛ فهناك بالفعل مبادرات وبرامج تطوير نوعية. لكن التحدي اليوم لا يكمن في كثرة المبادرات، بل في غياب إطار وطني حاسم يحدد بوضوح: ماذا نعني بإتقان القراءة في الصفوف المبكرة؟ كيف نقيسه؟ من يُحاسب على تحقيقه؟ وما المسار المهني الملزم لإعداد معلم السنوات الأولى بوصفه الركن الأهم في النظام التعليمي؟
إن مواجهة “فقر التعلّم” مسؤولية وطنية كبرى لا تحتمل التأجيل ولا التجميل. نحن بحاجة إلى التزام وطني معلن يجعل القراءة المبكرة قضية وطن لا مجرد مشروع وزارة، وإلى سياسة تعليمية واضحة تعيد الاعتبار للصف الأول والثاني والثالث باعتبارها المنطقة الأخطر في حياة الطفل التعليمية. سياسة تربط بين المناهج والتقويم والتنمية المهنية والمساءلة ضمن منظومة واحدة، لا تعمل بالنية الحسنة، بل بالمعايير الصارمة والنتائج القابلة للقياس.
المستقبل لن يصنعه الخطاب المتفائل ولا الشعارات الجميلة، بل قرار وطني شجاع يضع السنوات الأولى في أعلى سلّم الأولويات، ويعلن أن أي طفل يغادر هذه المرحلة دون إتقان القراءة هو خسارة تعليمية يجب ألا تحدث. هنا يبدأ التحول الحقيقي: من معلم الصف المبكر، من الكتاب الأول، من الحصة الأولى، ومن نظام يدرك أن الاستثمار في هذه اللحظة ليس خيارًا تربويًا، بل قرارًا استراتيجيًا يتعلق بمستقبل وطن وقدرته على المنافسة.
إذا أردنا تعليمًا سعوديًا قويًا… وإذا أردنا أجيالًا قادرة على صناعة الغد… فإن نقطة البداية ليست في قاعات المؤتمرات، ولا في غرف التخطيط العليا، ولا في برامج إعادة الهيكلة وتغيير المسميات؛ بل في ذلك الفصل الصغير الذي يجلس فيه طفل في الصف الأول أمام كتابه، ومعلم يدرك أن ما بين يديه ليس “درس قراءة”، بل مصير تعليمي وإنساني ووطن كامل.
من هنا يبدأ الطريق… ومن هنا يجب أن يُبنى كل شيء.
• أستاذ القيادة التربوية
• المدير العام للتعليم بمنطقة مكة (سابقًا)







يطرح هذا الطرح قضية جوهرية في مسار تطوير التعليم، وهي أن نواتج التعلّم لا يمكن قراءتها بمعزل عن جودة التأسيس في الصفوف المبكرة. المؤشرات الدولية من PIRLS إلى TIMSS وPISA لا تعمل كاختبارات منفصلة، بل كسلسلة مترابطة تكشف أن ضعف القراءة المبكرة ينعكس لاحقًا على الفهم والتحصيل في جميع المواد. التجارب الدولية ذات الأداء العالي تؤكد أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من المراحل المتقدمة، بل من ضمان إتقان مهارات القراءة فهمًا في السنوات الأولى، ضمن إطار واضح للمساءلة والتقويم وإعداد المعلم. وأي إصلاح تعليمي لا يضع هذه المرحلة في صدارة الأولويات سيظل يتعامل مع النتائج، لا مع جذور المشكلة