
تعكس كلمة وزير الإعلام سلمان بن يوسف الدوسري في افتتاح المنتدى السعودي للإعلام 2026 خطابًا مركبًا يجمع بين البعد السياسي والبعد الإعلامي والبعد القيمي، ويؤسس لرؤية ترى في الإعلام السعودي أداة تأثير عالمي، لا مجرد وسيلة اتصال محلية. فقد انطلقت الكلمة من ربط شخصية القيادة السعودية، ممثلة في سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بدور إعلامي عالمي يتجاوز السياسة إلى صناعة رسالة إنسانية قائمة على السلام والمحبة والثقة بالإنسان.
أولًا: مركزية القيادة في بناء الخطاب الإعلامي
يضع الوزير ولي العهد في قلب المعادلة الإعلامية العالمية بوصفه «قائد التأثير في المشهد العالمي»، وهو توصيف يحمل دلالتين أساسيتين:
الأولى، أن التأثير السعودي لم يعد مقتصرًا على القرار السياسي، بل أصبح تأثيرًا ناعمًا يتجسد في الخطاب الإعلامي والصورة الذهنية للمملكة عالميًا.
والثانية، أن القيادة السعودية تُقدَّم كنموذج يجمع بين السياسة والإعلام والقيم الإنسانية، حيث لم يصف ولي العهد بوصفه قائدًا سياسيًا فحسب، بل بوصفه حاملًا لرسالة إعلامية للسلام والمحبة والثقة بالإنسان.
وهنا ينتقل الخطاب من توصيف الدور السياسي إلى بناء صورة رمزية للقيادة بوصفها مصدر إلهام إعلامي عالمي، وهو ما يعكس استراتيجية واضحة في توظيف الخطاب الإعلامي لتعزيز المكانة الدولية للمملكة.
ثانيًا: الرعاية الملكية كرمزية للشرعية والدعم المؤسسي
حين وصف الوزير الرعاية الملكية للمنتدى من مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود بأنها «وسام فخر واعتزاز على صدور الإعلاميين»، فإن الخطاب هنا ينتقل من البعد البروتوكولي إلى البعد الرمزي.
فالرعاية الملكية لا تُقدَّم كحدث رسمي فقط، بل كاعتراف بالدور الوطني للإعلاميين، وتأكيد على أن الإعلام جزء أصيل من مشروع الدولة، لا قطاعًا هامشيًا أو تابعًا.
هذا التوصيف يمنح المنتدى شرعية سيادية، ويحوّله من فعالية مهنية إلى منصة وطنية كبرى تعبّر عن رؤية القيادة تجاه الإعلام بوصفه شريكًا في صناعة المستقبل.
ثالثًا: الإعلام السعودي كقوة تأثير عالمي
أبرز الوزير أثر دعم القيادة في وصول المملكة إلى مكانة جعلت الرياض «عاصمة الإعلام وصانعة القرار».
وهذه المكانة تحمل بعدين تحليليين مهمين:
1. الانتقال من الإعلام بوصفه ناقلًا للأحداث إلى الإعلام بوصفه صانعًا للأجندة.
2. تقديم الرياض كمركز إقليمي ودولي للحوار الإعلامي وصناعة السياسات الإعلامية.
وهذا يعكس تحوّلًا استراتيجيًا في موقع الإعلام السعودي من المحلية إلى العالمية، ومن التفاعل إلى المبادرة، ومن التلقي إلى التأثير.
رابعًا: البعد الدولي للمنتدى ودلالة الأرقام
تضمين الأرقام في الخطاب (300 قائد وخبير إعلامي، 150 جلسة حوار، من 20 دولة) ليس مجرد عرض معلوماتي، بل يحمل وظيفة رمزية تؤكد أن المنتدى تجاوز الإطار الوطني ليصبح منصة دولية.
الأرقام هنا تخدم ثلاثة أغراض خطابية:
• إبراز حجم المنتدى وقوته التنظيمية.
• التأكيد على التنوع الجغرافي والفكري للمشاركين.
• تقديم المملكة كمركز جذب للنخب الإعلامية العالمية.
وهو ما يعزز صورة المنتدى بوصفه حدثًا دوليًا لصناعة الرؤى الإعلامية المستقبلية، لا مجرد ملتقى محلي.
خامسًا: البعد القيمي في الخطاب الإعلامي
من أبرز ما يميز كلمة الوزير حضور مفردات القيم الإنسانية مثل: السلام، المحبة، الثقة بالإنسان.
وهذا يشير إلى أن الإعلام السعودي، وفق الرؤية المطروحة، يقوم على خطاب أخلاقي إنساني يسعى إلى مواجهة خطاب الكراهية والفوضى الإعلامية التي يشهدها العالم.
وبذلك، يتحول الإعلام من أداة نقل إلى أداة بناء أخلاقي وثقافي، وهو تحول نوعي في فلسفة الخطاب الإعلامي الرسمي.
سادسًا: الرسالة الاستراتيجية للكلمة
يمكن تلخيص الرسالة العميقة لكلمة وزير الإعلام في ثلاثة مستويات:
1. مستوى القيادة: ربط الإعلام برؤية ولي العهد ودوره العالمي.
2. مستوى الدولة: إبراز الرعاية الملكية كدعم مؤسسي للإعلام.
3. مستوى المستقبل: تقديم المنتدى كمنصة لصناعة حلول الإعلام القادم عبر الحوار الدولي وتبادل الخبرات.
وهذا يكشف أن الكلمة لم تكن خطاب افتتاح فحسب، بل إعلان رؤية استراتيجية لموقع الإعلام السعودي في العالم.
إن مضمون كلمة وزير الإعلام في انطلاق المنتدى السعودي للإعلام 2026 يعكس تحول الإعلام السعودي من أداة اتصال إلى قوة تأثير ناعمة عالمية، تستند إلى دعم القيادة، وتحمل رسالة إنسانية، وتعمل ضمن إطار دولي مفتوح على الخبرات والتجارب.
فالخطاب يقدّم المملكة بوصفها:
• مركزًا لصناعة القرار الإعلامي،
• ومنصة للحوار العالمي،
• وحاملًا لرسالة إعلامية قائمة على السلام والثقة بالإنسان.
وبذلك، تتحول كلمة الافتتاح من رسالة ترحيب إلى بيان استراتيجي يؤكد أن الإعلام السعودي لم يعد يواكب التحولات فحسب، بل يشارك في صناعتها.







