
ليس كل بيانٍ عسكري يُقرأ بوصفه خبرًا عابرًا. بعض البيانات تُقرأ بوصفها خريطةً استخباريةً مفتوحة، تكشف ما وراء السطور، وتقدّم للقارئ مفاتيح فهم أعمق لطبيعة الصراع وأدوات إدارته. بيان قوات التحالف المشتركة بقيادة المملكة العربية السعودية، الصادر في التاسع عشر من رجب 1447هـ الموافق الثامن من يناير 2026م، حول ملابسات هروب عيدروس الزبيدي، ينتمي إلى هذا النوع من البيانات التي تقول أكثر مما تُعلن، وتُرسل رسائلها بهدوء محسوب.
فالبيان لم يكتفِ بالإشارة إلى واقعة الهروب، بل قدّم سردًا دقيقًا لمسارٍ معقّد بدأ بحرًا ثم انتقل جوًا، مع تحديد الأزمنة، ونقاط العبور، وإجراءات إغلاق وتشغيل أنظمة التعريف. هذا المستوى من التفصيل لا يُقصد به الإخبار فقط، بل يعكس قدرة استخبارية عالية على الرصد والمتابعة والربط بين المعطيات التقنية والمعلومات البشرية. حين تُذكر هذه التفاصيل في بيان رسمي، فهذا يعني أن ما لم يُذكر ربما أكبر مما ذُكر، وأن الصورة الكاملة باتت واضحة لدى الجهة التي أصدرت البيان.
الهروب عبر البحر، كما ورد، ليس تفصيلة عابرة. البحر في مثل هذه العمليات يُستخدم بوصفه مسارًا منخفض الضجيج، ومساحةً رمادية يُظن أنها أقل رقابة. غير أن البيان حوّل هذا الخيار إلى نقطة ضعف، حين كشف إغلاق نظام التعريف وتوقيت الوصول، في رسالة مفادها أن التحركات، مهما حاولت الاختباء في المساحات المفتوحة، تبقى مرئية أمام عين استخبارية يقِظة.
ومن أكثر ما يلفت النظر في البيان الربطُ الذكي بين الواسطة البحرية المستخدمة في الهروب، وبين سفينة أخرى ورد ذكرها سابقًا في سياق نقل معدات وذخائر عسكرية إلى ميناء المكلا، من خلال الإشارة إلى حملهما علم الدولة ذاته. هنا لا نتحدث عن تشابه شكلي، بل عن قراءة شبكية للحدث؛ إذ يتحول “علم السفينة” إلى بصمة، وتتحول الواقعتان إلى خيطٍ واحد يشي بوجود نمط متكرر وجهة واحدة تقف خلف مسارات التهريب، سواء كان المُهرَّب معداتٍ أو أشخاصًا.
الانتقال لاحقًا من البحر إلى الجو، عبر طائرة وبإجراءات منسّقة، يؤكد أن ما جرى لم يكن قرارًا فرديًا ارتجاليًا، بل عملية مُعدّة سلفًا، تطلّبت تسهيلًا لوجستيًا وغطاءً سياسيًا وأمنيًا. ومع كل مرحلة تتأكد حقيقة أن القرارات التي اتُّخذت باسم “القضية” لم تكن معزولة عن دعم خارجي، وأن الهروب لم يكن سوى حلقة في سلسلة ترتيبات أوسع.
إغلاق أنظمة التعريف مرة أخرى خلال المسار الجوي ثم إعادة تشغيلها قبيل الهبوط ليس مجرد تفصيل تقني، بل سلوك يحمل دلالة واضحة: هناك من أراد إخفاء المسار. وفي عالم الطيران والملاحة، الرغبة في إخفاء المسار اعترافٌ ضمني بأن الحركة ليست طبيعية ولا قانونية. والبيان، بتثبيته هذه النقطة، لا يفضح المسار فحسب، بل يفضح المنطق الذي حكم العملية بأكملها.
كما أن المرور عبر مناطق ذات وضع قانوني وسياسي ملتبس يفتح بابًا لفهم أعمق لكيفية استغلال “الفراغات” في النظام الدولي. اختيار هذه النقاط لا يكون صدفة، بل لأنه يُنظر إليها كممرات أقل مساءلة وأكثر قابلية للاستخدام في عمليات تتطلب التخفي. وهنا يصبح التحليل مشروعًا في التساؤل عن محاور تتشكل، وتبحث عن مناطق رمادية تتحرك عبرها، بعيدًا عن الأطر القانونية المعترف بها دوليًا.
الأهم من كل ذلك أن البيان يقدّم نموذجًا سعوديًا واضحًا في إدارة الملفات الحساسة: رصد دقيق، توثيق محكم، ربط ذكي بين الأحداث، ثم إعلان محسوب لا يبالغ ولا يهوّل. إنها رسالة ردع بالمعلومة، لا بالصخب، تقول بوضوح إن أمن اليمن والمنطقة ليس ساحةً مفتوحة للمغامرات، وإن من يحاول العبث به سيُواجه بالحقيقة قبل أي شيء آخر.
وفي توقيتٍ يمر فيه الجنوب اليمني بمرحلة دقيقة وحساسة، تتطلب أعلى درجات المسؤولية والوضوح، تأتي هذه الرسائل لتؤكد أن حماية الإنسان، وصون الأمن، والحفاظ على مؤسسات الدولة، يجب أن تكون أولوية تتقدم على الشعارات، وأن القضايا العادلة لا تُخدم عبر الفوضى ولا عبر الارتهان لأجندات خارجية.
في المحصلة، لا يقول بيان التحالف فقط إن هناك من هرب، بل يجيب عن أسئلة أعمق: كيف هرب؟ وبأي مسار؟ وبأي نمط؟ وما الذي يتكرر خلف الكواليس؟ وهنا تحديدًا تتجلى القدرات العالية للاستخبارات السعودية، التي لا ترى الحدث بمعزل عن سياقه، ولا تلاحق عنوانًا عابرًا، بل تضعه ضمن صورة شاملة لأمن اليمن، وأمن المنطقة، واستقرارها.






