حين نستحضر عنوان المقال «السعودية جنة الاستقرار في محيط مشتعل »، فإنها تعبّر عن توصيف سياسي دقيق لموقع المملكة العربية السعودية في معادلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. فالمملكة لا تعيش في فراغ جغرافي أو سياسي، بل في قلب منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية، وتتنازعها الصراعات المسلحة، وتتشابك فيها الأجندات الإقليمية. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الاستقرار الذي تنعم به السعودية حالة استثنائية، ونتيجة مباشرة لسياسات محسوبة، وخيارات استراتيجية، وقدرة على إدارة التوازنات في بيئة لا تعرف الثبات.
تواجه المملكة محيطًا إقليميًا مثقلًا بالأزمات الممتدة، حيث انهارت دول، وتفككت مؤسسات، وتحوّلت النزاعات الداخلية إلى ساحات صراع مفتوحة لقوى إقليمية ودولية. هذه الأوضاع خلقت بيئة غير مستقرة تهدد الأمن الجماعي، وتفرض على الدول القادرة أعباءً إضافية تتجاوز حدودها الجغرافية. وفي هذا السياق، لم يكن أمام السعودية خيار الحياد السلبي أو الانكفاء، بل تبنّت سياسة تقوم على حماية أمنها الوطني أولًا، مع إدراك أن أمنها لا ينفصل عن أمن المنطقة ككل.
اعتمدت المملكة في تعاملها مع هذه التحديات على مزيج من القوة الصلبة والقوة الناعمة. فعلى المستوى الأمني والعسكري، عملت على تطوير قدراتها الدفاعية، وتعزيز جاهزيتها، وبناء منظومة ردع تحمي سيادتها وتمنع نقل الصراعات إلى الداخل. وعلى المستوى السياسي، انتهجت دبلوماسية نشطة ومرنة، تقوم على بناء التحالفات، وإدارة الخلافات، والانخراط في المساعي الرامية إلى خفض التصعيد متى ما توفرت شروطه، دون التفريط في ثوابتها أو مصالحها الاستراتيجية.
داخليًا، أدركت القيادة السعودية أن الاستقرار السياسي لا يمكن فصله عن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وأن هشاشة الداخل تمثل الثغرة الأخطر في زمن الأزمات. ومن هنا جاءت سياسات الإصلاح الشامل التي أعادت هيكلة الاقتصاد، ووسّعت قاعدة الإنتاج، وقلّلت الاعتماد على النفط، وفتحت المجال أمام القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي، بما يعزز متانة الدولة في مواجهة الضغوط الخارجية. كما رافق ذلك تحديث تشريعي ومؤسسي يهدف إلى رفع كفاءة الإدارة العامة، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسسات دولته.
في المقابل، تتعرض المملكة لحملات سياسية وإعلامية متواصلة، تسعى إلى التأثير على صورتها الإقليمية والدولية، أو التشكيك في سياساتها الداخلية والخارجية. ولم تعد هذه الحملات مقتصرة على القنوات التقليدية، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث تُستخدم الشائعات والمعلومات المضللة كأدوات ضغط سياسي. وقد تعاملت السعودية مع هذا الواقع بإدراك متزايد لأهمية الأمن الإعلامي والاتصالي، وبالعمل على تقديم خطاب متوازن يوضح مواقفها، ويدافع عن خياراتها، دون الانجرار إلى ردود أفعال انفعالية.
كما أن السياسة الخارجية السعودية شهدت تحولًا لافتًا نحو تنويع الشراكات الدولية، وعدم الارتهان لمحور واحد، بما ينسجم مع التحولات في النظام الدولي وتعدد مراكز القوة. هذا النهج عزز من هامش المناورة السياسية، ومكّن المملكة من لعب أدوار إقليمية ودولية أكثر استقلالية، قائمة على المصالح المتبادلة لا على التبعية. وفي الوقت ذاته، حافظت السعودية على دورها التقليدي كقوة توازن إقليمية، تسعى إلى منع انهيار المنظومة الإقليمية، حتى وإن كان ذلك يتطلب تحمّل كلفة سياسية أو اقتصادية إضافية.
ومع تسارع المتغيرات الدولية، من صراعات الطاقة إلى إعادة تشكيل التحالفات العالمية، تواجه المملكة تحديات مستقبلية معقدة تتطلب استمرار النهج البراغماتي القائم على قراءة الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. فالانفتاح الاقتصادي والسياسي، رغم ضرورته، يحمل في طياته مخاطر إذا لم يُدار بحذر، كما أن التحولات الاجتماعية السريعة تحتاج إلى مظلة سياسية تحافظ على التوازن بين التحديث والاستقرار.
وفي ختام هذا الطرح، فإن مسؤولية الحفاظ على هذا الاستقرار لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، مهما بلغت قوتها، بل هي مسؤولية مشتركة بين مكونات الوطن من القيادة الى المجتمع مرورا بالمؤسسات الحكومية و مؤسسات القطاع الخاص و المجتمع المدني. والنصيحة لمواطني المملكة و من يعيش على ارضها ومحبيها هي أن يدركوا أن المرحلة الحالية هي مرحلة وعي سياسي قبل أن تكون مرحلة إنجازات مادية، وأن حماية الوطن تبدأ من فهم سياساته، واحترام مؤسساته، وعدم الانجرار خلف الخطابات التحريضية أو المشاريع التي تستهدف تفكيك الصف الداخلي. فالدولة القوية لا تقوم فقط على السلاح والاقتصاد، بل على شعب واعٍ يدرك موقع بلاده في العالم، ويدافع عن استقرارها بعقله قبل عاطفته، ليبقى هذا الوطن قادرًا على الصمود والتأثير، مهما اشتدت الحرائق من حوله.







