المقالات

يَمُرُّونَ بالدَّهْنا خِفَافًا عِيَابُهُمْ

مِنْ أقربِ الرِّحلاتِ الحجازيَّةِ إلى عقلي وقلبي ووجداني رحلةُ ابنِ رُشَيْد الفِهْرِيِّ السَّبْتيِّ (ت 721هـ)؛ أحببْتُ ما انطَوَتْ عليهِ مِنْ الضَّرْبِ في الأرضِ لا يَصْرِفُ صاحِبَها عنِ الْحَجِّ صارِفٌ، ولأنَّها رحلةٌ عِلْميَّةٌ خالِصةٌ، كُلُّها قراءةٌ، وإجازةٌ، وتَلَقٍّ، ومُنَاوَلَةٌ، ولُقْيَا عُلَماءَ = ما كانَ لِيُتَاحَ لابْنِ رُشَيْدٍ اللِّقاءُ بِهِمْ لولا الحجُّ، وشَدَّني، أوَّلَ عهدي بها، عُنْوانُها الطَّويلُ المسجوعُ (مِلْءُ العَيْبة، بِمَا جُمِعَ بِطُولِ الْغَيْبَة، في الوِجْهَةِ الوجيهةِ مكَّةَ وطَيْبَة)! لمْ يُرِدِ الرَّحَّالةُ أن يَخْلِبَ عَيْنَ القارئِ وسَمْعَهُ بهذا العُنْوانِ الطَّويلِ، وحَسْبُ، وإنَّ لكلماتِ هذا العُنوانِ ما يَدُلُّ علَى أَصْلِ الرِّحلةِ إلى الحَجِّ وفَصْلِها، إنَّهُ حاجٌّ، وعالِمٌ، وطالِبُ عِلْمٍ، وهو، في كُلِّ أحوالِهِ، يُحِسُّ رَغْبةً في الامتلاءِ الحقيقيِّ أوِ المَجازيِّ، أَلَن يلتقيَ، في صُدُورِهِ إلى الحَجِّ وانفصالِهِ مِنْهُ بالعُلماءِ، أَثُمَّ لن يَمْلأَ حقيبتَهُ بالكُتُبِ، والإجازاتِ، والأسانيدِ، والأسْمِعةِ؟ وماذا بَعْدُ؟ إنَّ الرِّحلةَ إلى مكَّةَ المكرَّمةِ والمدينةِ المنوَّرةِ ليستْ “وِجْهَةً”، وحَسْبُ، إنَّها “وِجْهةٌ وَجِيهةٌ، لا تُشْبِهُ سِوَاها مِنَ الوِجْهاتِ.
​أعجبَنِي اصطناعُ ابنِ رُشَيْدٍ الفِهْرِيِّ كلمةَ “عَيْبَةٍ” يُرِيدُ بها “الحقيبةَ”، ولَسْتُ أستبعِدُ أنَّ هذا الرَّحَّالةَ العالِمَ إنَّما استرفَدَ هذهِ الكلمةَ مِنَ المُعْجَمِ لأنَّهُ يَعْرِفُ أنَّ لها ماضيًا مشحونًا بالشِّعْرِ الذي عليهِ مُسُوحٌ مِنَ البداوةِ. سأقولُ شيئًا: لمْ أستطِعْ، أَوَّلَ عهدي بالرِّحلةِ، ومنذُ وَقَعَتْ عيني علَى كلمةِ “عَيْبَةٍ”، أنْ أُخْفِيَ فَرَحًا مَبْعَثُهُ أنَّ كلماتِ اللُّغةِ تُخَبِّئُ خَلْفَها تاريخًا غائِرًا في طَبَقاتِ الزَّمانِ، وسَرَّني أنْ أستذكِرَ سريعًا شواهدَ لهذهِ الكلمةِ البدْويَّةِ الحُلْوَةِ الحبيبةِ! تَذَكَّرْتُ قَوْلَ الأعشَى الْهَمْدانيِّ – ويُنْسَبُ إلى الأَحْوَصِ -:

يَمُرُّونَ بِالدَّهْنَا خِفَافًا عِيَابُهُمْ
وَيَخْرُجْنَ مِنْ دَارِينَ بُجْرَ الْحَقَائِبِ
عَلَى حِينَ أَلْهَى النَّاسَ جُلُّ أُمُورِهِمْ
فَنَدْلًا، زُرَيْقُ، الْمَالَ! نَدْلَ الثَّعَالِبِ

​ ولَسْتُ بمُستطيعٍ تَصَوُّرَ هذينِ البيتينِ خفيفَيْنِ سريعَيْنِ، دُونَ تَصَوُّرِ الْحرَكةِ؛ حَرَكةِ أولئكَ القومِ الذينَ مَرُّوا بالدَّهْنا، عندَ صُدُورِهِمْ إليها، خِفَافًا عِيَابُهُمْ، حتَّى إذا خَرَجُوا مِنْ دارِينَ خَرَجُوا مِلَاءً حقائبُهُمْ، ودارِينُ سُوقٌ مشهورةٌ في هَجَر (الأحساء)، وما لي أقولُ: “حتَّى إذا خَرَجُوا”، والشَّاعرُ إنَّما يُريدُ أن يُصَوِّرَ كُلَّ ذلكَ خَطْفًا، حِينَ قالَ: “وَيَخْرُجْنَ مِنْ دارِينَ”، كأنَّما لا يُوْجَدُ فاصِلٌ مِنَ الزَّمانِ بينَ “المُرُورِ بالدَّهْناءِ”، و”الخُرُوجِ مِنْ دارِينَ”، ويُصَوِّرُ البيتُ الثَّاني تلكَ السُّرعةَ الخاطِفةَ التي أرادَ الشَّاعرُ أن يُحِسَّها مُتَلَقِّي شِعْرِهِ: لا وَقْتَ، هُنا، للاستعانةِ بالفِعْلِ، فليسَ إلا المَصْدرُ “نَدْلًا”، إنَّهُ يَصِيحُ بِصاحِبِهِ: اُخْطُفْ خَطْفًا سريعًا خَطْفَ الثَّعَالِبِ:
فَنَدْلًا، زُرَيْقُ، الْمَالَ! نَدْلَ الثَّعَالِبِ
​وأنا لا أرتابُ في أنَّ الشَّاعرَ إنَّما يُصَوِّرُ لُصُوصًا يَسْرِقُونَ، يَدُلُّ علَى ذلكَ إنابةُ المَصْدَرِ عنْ فِعْلِهِ، وأمرٌ آخَرُ هو أنَّهُ ما أَوْرَدَ كلمةَ “الثَّعَالِبِ” إلَّا لِيُصَوِّرَ هيئةَ ذلكَ الخَطْفِ الذي لا يكادُ يُحَسُّ بهِ، وكأنَّ اللِّصَّ ثَعْلَبٌ ماكِرٌ!
​ولِلْعِيابِ الْبُجْرِ – أَيِ الْحقائبِ المُمْتَلِئَةِ – تاريخٌ في الشِّعْرِ العربيِّ، ومِثْلَما أَذْكَرَتْني “عَيْبَةُ” ابْنِ رُشَيْدٍ الفِهْرِيِّ “عِيَابَ” الأعشَى الْهَمْدانيِّ، فإنَّ عِيَابَ هذا الأخيرِ رَجَعَتْنِي إلى أبياتٍ حُلْوَةٍ عَذْبةٍ للشَّاعرِ نُصَيْبٍ النُّوبِيِّ، في قِصَّةٍ أَوْردَتْها طائفةٌ مِنَ المَصَادِرِ، مِنْهُنَّ (الكامِلُ) لأبي العبَّاسِ محمَّدِ بْنِ يزيدَ المُبَرِّدِ، تُنْظَرُ هُناكَ. وأبياتُ نُصَيْبٍ هي تلكَ التي قالَها في مديحِ الخليفةِ سليمانَ بْنِ عبدِ الملكِ، وفيها يَقُولُ:

أَقُولُ لِرَكْبٍ قَافِلِينَ رَأَيْتُهُمْ:
قِفَا ذَاتَ أَوْشَالٍ، ومَوْلَاكَ قَارِبُ
قِفُوا! خَبِّرُونِي عَنْ سُلَيْمَانَ إِنَّهُ
لِمَعْرُوفِهِ مِنْ آلِ وَدَّانَ طَالِبُ
فَعَاجُوا فَأَثْنَوْا بِالَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ
وَلَوْ سَكَتُوا أَثْنَتْ عَلَيْكَ الْحَقَائِبُ
(…)

​وتَتَرَجَّحُ الأبياتُ في اثنينيَّةٍ قِوَامُها الحركةُ؛ حركةُ القافلةِ، وهي تَضْرِبُ في الصَّحراءِ = والصَّوْتُ. إنَّ الشَّاعرَ يطلُبُ مِنْهُمْ، مِنْ بَلَدِيِّيهِ، ولَعَلَّهُمْ مَوَالِيهِ، في وَدَّانَ، أن يُخْبِرُوهُ عنْ معروفِ الخليفةِ سليمانَ، وإنَّهُمْ لا يَمْلِكُونَ إلا أن يُثْنُوا علَى الخليفةِ بما هو أَهْلُهُ، وإنَّهُمْ لَوْ سَكَتُوا – وما كانُوا لِيَسْكُتُوا عنْ معروفٍ – لأَثْنَتْ حقائبُهُمْ المَلْأَى عليهِ!

ألا يُذَكِّرُنا “ثَنَاءُ الحقائبِ” بكلامِ الجاحظِ عنِ “النَّصْبةِ”؟! فثناءُ الحقائبِ حالُها وإنْ عُدِمَتِ اللَّفْظَ.​

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى