تحقيقات وتقاريرالحج والعمرة

«أول حجٍّ من دون سعيد القحطاني»… ستة عقود قضاها في خدمة أمن الحجاج

للمرة الأولى منذ أكثر من ستين عامًا، يأتي موسم الحج دون أن يكون الفريق أول سعيد بن عبدالله القحطاني حاضرًا في تفاصيله اليومية، وقلقه المعتاد، ومتابعته الدقيقة للخطط الأمنية والميدانية.

الرجل الذي ارتبط اسمه بمواسم الحج لعقود طويلة، وغادر الدنيا قبل أشهر قليلة، ظل حتى أيامه الأخيرة يفكر في العمرة والحج، ويخشى أن يدركه الموسم وهو غير قادر على أداء مسؤوليته كما اعتاد.

هذا الموسم يبدو مختلفًا في ذاكرة كثير من القيادات الأمنية والعاملين في الحج؛ لأن اسم سعيد القحطاني لم يكن مجرد اسم إداري داخل منظومة الأمن، بل أحد الوجوه التي عاشت تفاصيل الحج عامًا بعد عام، حتى أصبح جزءًا من ذاكرته التنظيمية والميدانية.

اللواء م. يحيى بن مساعد الزهراني

اللواء يحيى مساعد الزهراني، أحد الذين عملوا مع الفقيد عن قرب، يستعيد جانبًا من تلك السنوات، مؤكدًا أن الفريق أول سعيد القحطاني كان حاضرًا في أدق تفاصيل الخطط الأمنية، ويتابع باهتمام كبير تكامل القطاعات وجاهزية الميدان، مشيرًا إلى أن خبرته الطويلة أسهمت في تطوير كثير من الجوانب التنظيمية المرتبطة بإدارة الحشود والعمليات الأمنية في الحج.

ويقول إن الفقيد كان مثالًا للحزم والانضباط والعمل المتواصل، ولم يكن يتعامل مع الحج باعتباره مهمة موسمية عابرة، بل مسؤولية وطنية وإنسانية ودينية تستوجب أعلى درجات الجاهزية.

د. أسامة سعيد القحطاني

هذه الصورة المهنية الصارمة يكشف جانبها الإنساني حديث ابنه الدكتور أسامة بن سعيد القحطاني، الذي يروي كيف كان الحج حاضرًا في حياة الأسرة كلها، لا في عمل والده وحده.

يقول:
“منذ التحق والدي ـ رحمه الله ـ بكلية الشرطة، وهو يشارك في أمن الحج وخدمة الحجاج. لم يكن موسم الحج بالنسبة لنا كأسرة موسمًا عاديًا، بل كنا نعيش معه قلق المهمة وصعوبة المسؤولية.”

ويضيف:
“آخر مرة ركب معي في السيارة قبل وفاته بأقل من شهر، كان يعاني من المرض ولم نكن نعرف حقيقته بعد، لكنه تحدث بقلق عن موسمي العمرة والحج القادمين، وكان يخشى أن يأتي الموسم وهو على رأس العمل بعد أن شعر بالوهن والتعب.”

هذا القلق الذي حمله حتى أيامه الأخيرة يكشف طبيعة العلاقة التي ربطت الرجل بالحج؛ علاقة لم تتوقف عند حدود الوظيفة أو المنصب، بل تحولت مع الزمن إلى التزام يومي ومسؤولية عاش بها أكثر من نصف قرن.

الفريق أول سعيد القحطاني بدأ رحلته الأمنية مبكرًا بعد تخرجه في كلية الملك فهد الأمنية عام 1390هـ برتبة ملازم، ومنذ ذلك الوقت تنقل بين عدد من المواقع القيادية في الأمن العام والأمن الجنائي وقوات أمن الحج، حتى أصبح واحدًا من أبرز القيادات الأمنية التي ارتبط اسمها بإدارة المواسم الكبرى وخطط الحج الميدانية.

وُلد الفقيد في قرية البطحاء بالواديين في بلاد رفيدة قحطان، وعاش عمره في العمل الأمني، متنقلًا بين الميدان وغرف العمليات، وبين متابعة التفاصيل الصغيرة والقرارات الكبيرة، حتى أصبح من الأسماء التي يعرفها العاملون في الحج أكثر مما يعرفها الإعلام.

ومن هنا جاء التكريم بعد رحيله مختلفًا في معناه.

فقد منحت الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب الفقيد وسام الأمير نايف للأمن العربي من الدرجة الأولى، خلال انعقاد الدورة الثالثة والأربعين لمجلس وزراء الداخلية العرب، تقديرًا لمسيرته الطويلة وإسهاماته الأمنية.

كما حمل مشهد أداء صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف صلاة الميت عليه في جامع الملك خالد بالرياض رسالة وفاء واضحة لرجل قضى عمره في خدمة الأمن والوطن والحجاج.

في مواسم الحج، تظهر أسماء كثيرة في المشهد، لكن هناك رجالًا يعملون بعيدًا عن الكاميرات، يتركون أثرهم في الخطة والتنظيم والانضباط أكثر مما يتركونه في التصريحات والصور.

وسعيد القحطاني كان واحدًا من هؤلاء.

رحل الرجل، لكن كثيرًا من التفاصيل التي يعيشها الحجاج اليوم، وكثيرًا من الخطط التي تُدار بها الحشود، تحمل في مكان ما أثر سنوات طويلة قضاها في خدمة ضيوف الرحمن.

ولهذا، يبدو حج 1447هـ مختلفًا عند زملائه ومحبيه؛ لأنه أول موسم يمرّ من دون الرجل الذي عاش للحج أكثر مما عاش لنفسه.

وتبقى مثل هذه السِيَر جزءًا من ذاكرة الحج السعودية، ومن الوفاء لرجالٍ عاشوا أعمارهم في خدمة ضيوف الرحمن، وهي الذاكرة التي تحرص صحيفة مكة الإلكترونية على توثيقها للأجيال.

عبدالله الزهراني

حساب تويتر https://twitter.com/aa1hz

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى