يعتمد الابتكار والإبداع على الإنتاج المعرفي القائم على البحث التجريبي والمعالجة العلمية، حيث يقوم هذا النوع من البحوث على المعايشة الفعلية للتجربة وتحليل الأثر والتفاعلات بين مكونات المادة محل الدراسة، والتوصل إلى نتائج حتمية قابلة للتطبيق والتعميم. وبهذا المعنى فإن البحث التجريبي يمثل أعلى درجات التحقق العلمي؛ لأنه عملية استقصاء منظمة تهدف إلى دراسة علاقات محددة «السبب والنتيجة»، ويعتمد الباحث فيه على التحكم المتعمد في المتغيرات المستقلة وقياس أثرها على المتغيرات التابعة وتحليل ما أحدثته من تغيير وما تم من تحول فعلي فيها. وكل هذه الإجراءات تستهدف تفسير الظواهر واستخلاص استنتاجات دقيقة مبنية على أدلة ملموسة وقابلة للقياس وتقع في نطاق التحكم البحثي من قبل فريق البحث وأفراده.
إن الناظر في أسباب التقدم التقني والعلمي للدول الغربية ودول شرق آسيا سيجد حتماً أن البحث التجريبي كان وراء كثير من الاكتشافات والابتكارات المميزة التي نهضت بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي لتلك الدول، وخدمت البشرية ككل في تسهيل المعيشة والتنقلات والتواصل والعلاج والتعليم وخلافه. فنجد أجيالاً متطورة من المنتجات التي يتم تطويرها باستمرار عن طريق برامج البحث والتطوير وبالتعاون مع الجامعات.
ونظراً لأهميته الكبيرة في ذلك، فقد أولته الحكومات والجامعات المتقدمة جل اهتمامها، وخصصت ميزانيات سنوية كبيرة لدعم البحث والتطوير المعتمد على التجربة والمعالجة، بعد أن تم التأكد من جدوى العوائد التي تفوق بمراحل تكلفة البحوث، والتي قد تصل من خلال براءات الاختراع والابتكار إلى دخول مليارية هائلة وغير متوقعة أثبتها الواقع.
وإذا نظرنا إلى فاعلية البحث التجريبي على المستوى العربي، نجد شحاً كبيراً في تطبيق هذا المنهج العلمي برغم ضرورته وحتميته، وضعفاً كبيراً في دعم الراغبين بالقيام به، وشحاً في الدعم المالي في ميزانيات الجامعات، وذلك لاتجاه معظم الكليات والباحثين إلى تطبيق المنهج الوصفي الأضعف بين المناهج العلمية، والذي يتسم بالسهولة والسرعة وضعف دقة النتائج وضعف الحلول.
إن صعوبة تطبيق المنهج التجريبي ترتكز أولاً على الخوف منه، وضعف الإلمام بخطواته، والخوف من طول مدة تنفيذه، بالإضافة إلى الجهد المضني الذي يجب أن يبذله الباحثون والمشرفون، فقد تتم إعادة التجربة مرات ومرات إلى أن يتم التحقق فعلياً من صلاحية المخرج البحثي للتطبيق ودوره في التطوير.
وعلى الرغم من قوة المنهج التجريبي ودقة نتائجه، إلا أنه يحتم على الباحث أن يضبط المتغيرات الدخيلة أو يقوم بعزلها لضمان دقة التجربة؛ لأن إهماله لأثر تلك المتغيرات قد يؤثر على صحة التجربة.
والحقيقة أن معظم الجامعات السعودية تطبق المنهج الوصفي الذي يمتاز بسرعته وسهولة تطبيقه، والذي يعتمد كثيراً على آراء العينات والمشاركين في الظاهرة محل الدراسة. ويعتبر هذا المنهج أكثر شيوعاً واستخداماً حتى في الكليات العلمية التي يفترض أن تستخدم التجربة أو على الأقل المنهج الإمبريقي أو شبه التجريبي. وبذلك نتج عدد كبير من البحوث الوصفية التي أضيفت إلى المكتبة وعانقت الأرفف، وكأنها معزولة عن الحياة، فلا يكاد يلمس لها أثر في تطوير أو تحسين شيء من مناشط الحياة ومكوناتها.
ومن الطبيعي أن تتعاظم أهمية البحث التجريبي؛ لأن العصر الحديث والتطور المذهل الذي تشهده المملكة في كافة المجالات يحتم دعم الابتكار وبحوث التجربة والتطوير في الجامعات السعودية، وهي بالطبع مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتبني وتطبيق المنهج التجريبي واستغلال الإمكانات المتاحة لتقديم حلول علمية تجريبية يمكن تطبيقها.
وينتظر المجتمع إسهامات كبيرة للباحثين والعلماء في تحسين الجوانب الأساسية للحياة وإخضاعها للمعالجة العلمية الدقيقة، بدلاً من عشرات النتائج والتوصيات التي يتضمنها المنهج الوصفي، والتي تبدو في النهاية غير ممكنة التطبيق. ويشير الباحثون كثيراً إلى هذه الصعوبة في تصوراتهم ومقترحاتهم، وهذا ما يجعل كثيراً من هذه الأبحاث مجرد واجب روتيني للحصول على الدرجة أو الترقية، بغض النظر عن جدوى البحث وقيمته التطبيقية، مما يجعل مخرجاته وتوصياته أقرب إلى الأحلام والأمنيات التي يتمناها الباحث، ولا تجد لها صدى في واقع الحياة.





