المقالات

خدام الحرمين الشريفين درع القيم الحضارية وجسر التواصل الثقافي في موسم الحج

لقد شرفت بحضور ندوة فكرية ثاقبة، نظمها مركز الملك عبدالعزيز الدولي للتواصل الحضاري والثقافي في رحاب مكة المكرمة، ناقشت قضية محورية تلامس جوهر الرسالة الإسلامية، ألا وهي “المحافظة على القيم الحضارية في الحج والحرمين الشريفين”. وقد أدار الحوار نخبة من المختصين، فكانت جلسة ثرية بالأفكار، عميقة في طرحها، جعلتني أعيد النظر في مفهوم الخدمة في الحرمين الشريفين و جميع مدن الحج،

ولطالما اعتدنا أن ننظر إلى منسوبي الأمن والجهات المعنية في خدمة الحرمين الشريفين، على أنهم سد منيع يحمي سلامة الحجيج و المعتمرين، ويضمن انسياب حركة الملايين، فقد كشفت الندوة عن بُعد آخر أكثر عمقاً وإنسانية، ألا وهو الدور المحوري للقائمين على خدمة الحجيج و المعتمرين، في تعزيز القيم الحضارية وصناعة مساحات رحبة للتواصل الثقافي بين ضيوف الرحمن من شتى بقاع الأرض.
و حينما يصبح الأداء الأمني لوحة جمالية فالمتأمل في المشهد الحضاري، يرى أن جنود الحرمين و القائمين على كافة الخدمات، لم يعودوا مجرد رجال أمن ينظمون حركة المرور أو يوجهون الحشود أو تأمين السقاية و غيرها، بل تحولوا إلى أيقونة حية للتسامح والرفق.
فالندوة أوضحت أن القيم الحضارية كالتسامح، و العدل والاحترام، والنظام، والنظافة، هي ركائز و قيم أساسية موروثة، منذ عهد المؤسس لهذا الوطن الكبير، الملك عبدالعزيز آل سعود طيب الله ثراه، لا تقل أهمية عن تجهيز البنية التحتية الضخمة.

و هنا يبرز دور خدام الحرمين الذين يقفون على مداخل المسجد الحرام أو المسجد النبوي، أو في ساحات عرفة و المشاعر المقدسة كافة، فيحتسبون الأجر في كلماتهم الطيبة، و ابتساماتهم المشرقة، وصبرهم على اختلاف لهجات الحجاج و المعتمرين وطباعهم. إنهم بهذا الفعل يساهمون في خلق بيئة تنعكس فيها صورة الإسلام كدين الرحمة والسماحة.

ما أثار انتباهي في الندوة هو التأكيد على أن الحج هو مؤتمر إسلامي عالمي سنوي، وهو جسر تواصل بين ثقافات العالم، تتلاقى فيه أكثر من مائة جنسية. وهنا يتحتم أن يكون هناك لغة مشتركة تتجاوز حاجز الكلام، ألا وهي لغة الإنسانية والقيم. وقد نجح خدام الحرمين الشريفين، في أن يكونوا جسراً للتواصل الثقافي، فتجدهم يتعاملون مع الحاج الإندونيسي باحترام، ويرشدون التايلاندي بلطف، ويواسون الأفريقي بحكمة.

هذا المشهد اليومي يعزز فكرة أن الاختلاف الثقافي ليس حاجزاً، بل هو ثراء إنساني يديره هؤلاء الأبطال بحرفية عالية، ويجسدون عملياً معنى “التواصل الحضاري” الذي ينادي به مركز الملك عبدالعزيز المستضيف للندوة، كما يؤكدون أن المملكة العربية السعودية قيادة وإنساناً في خدمة الضيف، و هنا تحضرني شجاعة جندي الحرم، و ما قام به من عمل تناولته جميع و سائل التواصل المحلية و العالمية، جانبا آخر أنه يفدي الحجاج بنفسه، فحينما قام بإنقاذ ذلك المعتمر الذي سقط من سطح الحرم المكي، فقد أرسل رسالة حكومة خادم الحرمين الشريفين حفظه الله للعالم أجمع، بأننا في خدمة الحجاج و لو أدي ذلك الى التضحية بالنفس.

لقد أكدت الندوة أن ما تقوم به حكومة خادم الحرمين الشريفين و سمو ولي عهده -أيدهم الله- من مشاريع عملاقة، هو الوجه المادي للحضارة، أما الوجه المعنوي فيتجسد في هؤلاء الرجال الذين يسهرون الليالي ليكون الحاج و المعتمر آمناً مطمئناً، كريماً في وفادته.
إن خدام الحرمين الشريفين هم الواجهة الحضارية الأولى، التي تترجم توجيهات القيادة الرشيدة، ليثبتوا للعالم أجمع، إن المملكة العربية السعودية هي بلد الإنسانية الأولى، حيث تتجلى القيم الإسلامية في أبهى صورها.

لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر لمركز الملك عبدالعزيز الدولي للتواصل الحضاري والثقافي، على هذه الندوة البناءة التي فتحت آفاقاً جديدة للنقاش، و لابد أن أرفع القبعة إجلالاً وتقديراً لكل خدام الحرمين الشريفين، فأنتم يا من تحملون شرف هذه الخدمة، لستم فقط حراساً للمكان و خدماته، بل أنتم سفراء للقيم، وحماة للهوية، وصُناع للأثر الطيب، الذي يظل عالقاً في ذاكرة الحاج و المعتمر مدى الحياة، كما ارفع القبعة لكل الجهات الخادمة لضيوف الرحمن منذ وصولهم حتى مغادرتهم بسلامة الله، مترفين بكل تلك الخدمات الجليلة، و الحديث عنها يطول..

حفظ الله المملكة قيادة و حكومة وشعباً، برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز و سمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهم الله وسدد على دروب الخير خطاهم..

• المدير العام للحج والعمرة السابق بالسودان

المطيع محمد أحمد السيد

المدير الأسبق للحج والعمرة-السودان،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى