في عام الرمادة (١٨ هـ) الذي ضرب فيه القحط المدينة المنورة، تبرع الصحابي الجليل عبدالرحمن بن عوف بكامل قافلة تجارية ضخمة قادمة من الشام، ضمت ٧٠٠ بعير محملة بالسمن، والبر، والزيت، والكساء، لتوزيعها على أهل المدينة المنورة، ورفض عروض التجار لمضاعفة سعرها، قائلاً إن الله يضاعف الحسنة بعشرة أمثالها، فأنقذ الفقراء.
فبينما كان الناس يعانون من الجوع الشديد ارتجت المدينة لصوت قافلة ضخمة، فظنت السيدة عائشة رضي الله عنها أنها غارة فإذا هي قافلة لعبدالرحمن بن عوف، محملة بشتي أنواع الطعام، ورفض عبدالرحمن بيع القافلة لتجار المدينة رغم اغراءاتهم برفع السعر (الضعف والثلاثة)، وقرر التبرع بها كاملة لله تعالي ولأهل المدينة.
كان هذا التصرف مثالاً أعلى في الكرم والزهد، حيث ساهم في تخفيف حدة الأزمة، ولم يبت ليلتها في المدينة جائع.
استوقفتني عبارة كتبها أحد المساهمين في مشروع كيس الصائم في” قروب طيبة الخواض” حيث طلب المتبرع كتابة طالب خير بدلا عن فاعل خير، التي اعتاد معظم المتبرعين كتابتها، باعتبار أنه يطلب بمساهمته هذه من الله أن يجعله من أهل الخير، حيث أن الآخر كأنه حدد بنفسه أنه فاعل خير وأنه ضمن بذلك الاجر والثواب من الله سبحانه،
وفي خضم أهوال الحروب التي شهدها السودان، برزت التكايا كواحات أمان وإغاثة للمشردين والنازحين والمتضررين من ويلات الصراع. هذه المؤسسات الاجتماعية الدينية، المتجذرة في التراث الإسلامي، تحولت إلى مراكز إغاثة حيوية، تجسد قيماً إسلامية أصيلة في التكافل والتراحم، وتذكرنا بنماذج السلف الصالح في مواساة المنكوبين.
وقد كانت هناك مؤسسات خيرية إسلامية تقليدية، كانت توفر الطعام والمأوى للفقراء والمسافرين. في السودان، أعادت الحرب إحياء هذا الدور بصور معاصرة، حيث تحولت المساجد والزوايا والخلاوي إلى مراكز إيواء وتغذية للنازحين، خاصة في فترات الذروة.
وقد شكلت التكايا شبكة أمان للعائلات التي فقدت منازلها، حيث وفرت المساحات الآمنة والمؤقتة للإيواء، مع تقديم وجبات غذائية منتظمة تعتمد على التبرعات اليومية.
وتحولت بعض التكايا إلى عيادات مؤقتة لتضميد الجراح وتقديم الأدوية الأساسية، مستفيدة من تبرعات الأطباء والصيادلة من “طالبي الخير”.
ومن خلال الجو الإيماني والأخوي، قدمت التكايا دعماً معنوياً ساعد النازحين على تجاوز الصدمات ومواصلة الحياة.
إن مصطلح “طالب خير” يعكس روحاً مختلفة عن “فاعل خير”، فهو يعبر عن تواضع يدرك صاحبه أن سعيه للخير هو في الحقيقة طلب لزيادة الخير في نفسه، وطلب لرضوان ربه، واستجابة لنداء إنسانيته. وهكذا كان السودانيون – رغم فقر الكثيرين منهم – يتسابقون إلى التكايا بصدقاتهم، يطلبون الخير لا يزكون أنفسهم.
وتذكرنا هذه الصور بقصص السلف الذين جسدوا التكافل في أصعب الظروف. كقصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي حمل على ظهره الطعام، وقصة عبد الرحمن بن عوف الذي كان يطعم المدينة في عام الرمادة. هؤلاء لم يسموا أنفسهم فاعلي خير، بل كانوا “طالبي خير” يرجون الثواب من الله.وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
يؤمن “طالبو الخير” بأن ما ينفقونه يعود إليهم مضاعفاً، كما وعد الله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ).
وقد واجهت التكايا تحديات جسام تمثلت في نقص الموارد، صعوبة الوصول للمناطق المحاصرة، المخاطر الأمنية على المتطوعين. لكن استمرارها كان شاهداً على إصرار المجتمع السوداني على التماسك رغم كل الظروف.
ولقد أثبتت التكايا في السودان أنها أكثر من مجرد أماكن إغاثة فهي تعبير حي عن نسيج اجتماعي متماسك، وترجمة عملية لقيم التضامن الإسلامي. وتبقى هذه المؤسسات شاهدة على أن الخير، عندما يكون مقروناً بالتواضع والإخلاص، يصبح قوة تغير الواقع وتخفف المعاناة، وتحفظ الكرامة الإنسانية في أحلك الظروف.
(ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاء ولا شكورا)
ولابد هنا من الإشارة لبعض طالبي الخير الذين ساهموا بصورة مباشرة وغير مباشرة في تخفيف آثار هذه الحرب بولاية الخرطوم كنموذج ونذكر منها رجال الأعمال والمنظمات الشبابية وهيئات الإغاثة العالمية والتي يتقدمها مركز الملك سلمان علي سبيل المثال
الخريطة الإنسانية في السودان معقدة ومتغيرة وجميع العاملين فيها يستحقون التقدير علي شجاعتهم وتفانيهم في إنقاذ الأرواح تحت وطأة الخطر.
إن دروس التكايا تذكرنا بأن الخير الحقيقي هو ما يكون خفياً، وهذه هي روح “طالب الخير” الحقيقية.
• رئيس مكتب شؤون حجاج السودان والمدير العام السابق للحج والعمرة






