
القصب – محمد بن عبدالله الحسيني
في مشهد ثقافي حمل ملامح الوفاء والإنصاف، أعادت جمعية الأدب المهنية، بالتعاون مع بلدية القصب، تسليط الضوء على تجربة الأديب الراحل عبدالله الجعيثن، عبر محاضرة قدّمها الأستاذ عبدالله بن أحمد الحسني بعنوان: «صوتٌ يكتب من عمق الحياة… لا من صخبها».
وفي طرحٍ لافت، أكّد الحسني أن الجعيثن ليس كاتبًا نعيد اكتشافه، بل كاتبًا لم نقرأه كما ينبغي، داعيًا إلى إعادة تأمل تجربته بوصفها جزءًا أصيلًا من الذاكرة الثقافية التي تستحق الإنصاف، لا سيما في ظل ما تعانيه بعض التجارب من غياب التوثيق العادل.
وأوضح أن قلة الدراسات التي تناولت الجعيثن لا تعكس ضعف حضوره، بل تكشف عن فجوة في التأريخ الثقافي، تستدعي إعادة كتابة سير الكتّاب بوعيٍ أعمق يضع تجاربهم في سياقها الحقيقي.
وقدّم الحسني قراءة مختلفة لسيرة الجعيثن، بوصفها تجربة حياة متعددة لا تختصر في مسار وظيفي، إذ تنقّل بين المحاسبة والعمل الأكاديمي والإداري، قبل أن يتفرغ للكتابة، إلى جانب حضوره الإذاعي الممتد، في تجربة تعكس تداخل المعرفة بالحياة، وتمنح نصوصه صدقها الإنساني.
وأشار إلى أن الجعيثن تشكّل عبر تفاعل بين اللغة والمعرفة والتجربة، حيث جمع بين الحس الأدبي والوعي الواقعي، وهو ما انعكس في مقالاته التي تجاوزت نقل الحدث إلى التأمل في معناه، وجعلت من المقالة مساحة للفكر لا مجرد وسيلة للإخبار.
كما تناولت المحاضرة تنوع موضوعاته بين الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، مؤكدة أن هذا التنوع لم يكن شكليًا، بل امتدادًا لتجربة ثرية تغذت من التراث العربي والنصوص الدينية والأدب الحديث، وهو ما تجلّى في أسلوبه القائم على التناص الشعري وتكثيف الفكرة.
وتوقفت الورقة عند جانب إنساني في شخصية الجعيثن، حيث أشار الحسني إلى تجربة تواصل مهني كشفت عن نُبلٍ واضح ووعيٍ أخلاقي عميق، تجلى في تفهمه لطبيعة العمل الصحفي وابتعاده عن التذمر، بما يعكس مسؤولية الكلمة لديه.
كما ناقشت المحاضرة ابتعاده عن الظهور الإعلامي، معتبرة أن هذا الغياب لم يكن انسحابًا، بل شكلًا آخر من الحضور، حافظ من خلاله على نقاء صوته، في مفارقة تجعل الجعيثن كاتبًا حاضرًا في النص… وغائبًا في المشهد.
وأدار الأمسية الدكتور عثمان بن عبدالعزيز المنيع، بحضور نخبة من المهتمين، إلى جانب حضور ابن الراحل، في مشهدٍ إنساني جسّد امتداد الأثر وعمق الذاكرة الثقافية.










