المقالات

حين يتكلم أهل مكة… يكون للحرف روح المكان.. كلمة شكر ووفاء للأستاذ الدكتور بكري بن معتوق عساس

ليس من السهل أن تُكتب مقدمة لكتاب عن الحج، لأن الحج ليس موضوعًا يُعرَض، بل تجربة تُعاش، ولا فكرة تُشرح، بل روح تُستشعر. ولذلك، حين تأتي المقدمة من رجلٍ عاش في رحاب مكة، وتشرّب معانيها، وتنفّس هواءها، فإن الكلمات لا تكون مجرد حروف، بل تكون امتدادًا لقداسة المكان وصدق الانتماء.

وقد شرفني أخي العزيز، الأستاذ الدكتور بكري بن معتوق عساس، بهذه المقدمة الثرية لكتابي “الحج… حجٌّ لا يعود كما بدأ: القيم التي يجب أن تولد فيك”، فكانت بحق أكثر من تقديمٍ علمي؛ كانت شهادة وجدانية، وقراءة روحانية، وصوتًا صادرًا من قلب مكة إلى قلوب القرّاء.

غير أن ما يضفي على هذه المقدمة عمقها الحقيقي، ليس فقط جمال عباراتها، ولا ثراء مضامينها، بل شخصية كاتبها؛ ذلك العالم المتواضع، الذي جمع بين العلم والخلق، وبين المكانة العلمية والرقي الإنساني.

فالدكتور بكري عساس، الذي تقلّد مواقع علمية رفيعة، وكان مديرًا لصرح علمي عريق كـ جامعة أم القرى — هذا الاسم الذي يحمل في ذاته بركة المكان وأصالته — لم تزدْه المناصب إلا تواضعًا، ولم تُغيّر فيه المكانة صفاء النفس، بل بقي كما هو: قريبًا من الناس، لين الجانب، طيب المعشر، يفوح منه عطر الكرامة والكرم.

إنه من أولئك الذين إذا حضروا سكن المجلس، وإذا تكلموا أنصتت القلوب قبل الآذان، وإذا كتبوا، خرجت كلماتهم مشبعةً بأخلاقهم قبل علمهم.

وقد انعكس هذا البعد الأخلاقي جليًا في مقدمته؛ فلم تكن مجرد نص علمي، بل كانت مرآةً لنفسٍ تربّت على معاني الحج قبل أن تكتب عنه، فخرجت عباراته صادقة، دافئة، نابضة بالحياة.

لقد جاءت مقدمته — حفظه الله — مشبعةً بروح الأدب، وعبق التاريخ، ونَفَس التجربة، فجمع فيها بين النص القرآني، والإرث الشعري، والسرد التاريخي، ليعيد تشكيل صورة الحج في الوعي المعاصر، لا بوصفه رحلة شعائرية فحسب، بل باعتباره تحوّلًا وجوديًا يعيد صياغة الإنسان من الداخل.

ولعل ما يميز هذه المقدمة أنها لم تقف عند حدود الوصف، بل تجاوزته إلى التأصيل المعنوي؛ فذكّرت القارئ بأن الحج — رغم ما شهده من تيسير — لا يزال يحمل جوهره التربوي العميق، وأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى مكة، بل في الوصول إلى الله.

أخي الحبيب الدكتور بكري،
لقد كتبتم مقدمة ليست للكتاب فقط، بل للرحلة كلها…
وقدمتم مثالًا حيًا على أن العالم الحقيقي ليس من يُحسن البيان فحسب، بل من يُجسّد القيم التي يكتب عنها.

أسأل الله أن يجزيكم خير الجزاء، وأن يجعل ما كتبتم في ميزان حسناتكم، وأن يبارك في علمكم وخُلقكم، وأن يديم عليكم نعمة التواضع التي هي تاج العلماء.

وختامًا…
فإن هذا الكتاب “الحج… حجٌّ لا يعود كما بدأ: القيم يجب أن تولد فيك”، لم يُكتب ليكون دليلًا في المناسك فحسب، بل ليكون رفيقًا في الرحلة، ومرآةً للقلب، وبوصلةً للتحول الداخلي.

ومن هنا، فإنني أقدّمه — بكل محبة وتقدير — إلى ضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين، ليكون معينًا لهم على استحضار المعاني، وتعميق الأثر، وتجاوز الشكل إلى الجوهر.
كما أقدّمه إلى القائمين على خدمة الحجاج، من علماء ودعاة ومنظمين، ليكون أداةً تربوية تُعين على غرس القيم، وتذكير الناس بأن أعظم ما في الحج ليس الوصول… بل التحول.

فالحج ليس نهاية الطريق،
بل بداية إنسانٍ جديد.

والحمد لله رب العالمين.

الأمين العام للمجلس الأوروبي للهيئات والمراكز الإسلامية

أ.د. فايد محمد سعيد

عضو المجلس الأوروبي للقيادات المسلمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى