المقالات

العلوم الإنسانية والاجتماعية .. ركيزة حضارية لا يمكن الاستغناء عنها

ظاهرة التوجه العالمي المتزايد نحو التخصصات العلمية والتقنية، تواجه العلوم الإنسانية والاجتماعية حملة تسعى إلى تقليصها وتهميشها في بعض المؤسسات التعليمية العليا. بحجة أنها لا تخدم سوق العمل، وليس لها جدوى اقتصادية. بل يتمادى البعض بدعواتهم إلى حد المطالبة بإلغاء تخصصات مثل التاريخ، والجغرافيا، علم الاجتماع، الفلسفة، علم النفس، اللغويات، الانثروبولوجيا، العلوم السياسية، الدراسات الثقافية، مع أنها تهدف إلى تحليل الواقع الإنساني، وفهم اليات بناء المجتمعات، والتأمل في السلوك الفردي والجمعي، وتحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية.
فالنظر إلى العلوم الإنسانية من منظور مادي قاصر، يهمش دور تلك العلوم في تكوين المجتمعات وتوجيهها، بفهم الانسان لنفسه ومجتمعة. وعند النظر في بعض تخصصات العلوم الإنسانية نجد انها تصوغ الحاضر، وتبني المستقبل؛ فالتاريخ لا يروي لنا فقط ما حدث، بل يعلمنا كيف ندير الازمات، وتداعياتها المجتمعية. والجغرافيا لا تدرس فقط تضاريس الأرض، بل تفسر لنا العلاقات بين المكان والانسان والاقتصاد، والسياسة. وعلم الاجتماع يدرس المجتمع، وعلم النفس يدرس سلوك الانسان ودوافعه، ويقودان السياسات العامة في التعليم، الصحة، والعدالة الاجتماعية. وعلم الفلسفة يبني مهارات التفكير النقدي، والتحليل، وفتح أفاق التأمل في القيم والأخلاق.
ونجد ان الولايات المتحدة الامريكية كدولة متقدمة في العلوم والتقنية، لا تفرط في هذه التخصصات، وتدعمها وتدمجها في رؤيتها الاكاديمية، كما هو الحال مثلا في جامعة بفالو في ولاية نيويورك التي تهتم بالعلوم الإنسانية، وتشجع طلاب التخصصات العلمية على دراسة مواد لتخصصات إنسانية لتكوين رؤية شمولية متكاملة. وهناك غيرها الكثير من الجامعات الامريكية، الكندية، والأوروبية، التي تفعل مثلها.
والمطالبة بدعم تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعات، لا يعني بأننا ضد دعم التخصصات العلمية، بل ندعو إلى تكاملها مع الإنسانية والاجتماعية، لأن الطبيب بحاجة لفهم الجوانب النفسية والاجتماعية لمرضاه، وتصميم المهندس للمباني يتم وفق الادراك لثقافة مستخدميه، وتنبني الأنظمة الذكية للمبرمج على فهم سلوك الانسان وتفاعلاته. وأن أخذ ذلك في الاعتبار يحمل عمقا كبيرا، لأن هذه العلوم تعد من ركائز بناء الإنسان والمجتمع. كما أن مما يدعم تأييد الاهتمام بالعلوم الإنسانية أنها ليست نقيضا للعلوم الطبيعية، بل مكملة لها، لأنها تعنى بالسياق الأخلاقي والاجتماعي. فالنهضة الغربية الحديثة لم تقم فقط على التطور العلمي، بل كان للفكر والفلسفة والتاريخ دور جوهري، بدءا من الثورة الفرنسية حتى الحداثة. ولذا، فاهتمام الجامعات الكبرى العالمية الغربية والشرقية جعلها تحتفظ بكليات وأقسام نشطة وقوية في تلك العلوم. وأن معظم قادة العالم والمفكرين والمصلحين أتو من خلفيات إنسانية واجتماعية، لأن القيادة تتطلب فهم النفس والمجتمع، لا فقط إتقان التقنية الحديثة.
ومن المهم، استغلال العلوم الإنسانية لتحصين الهوية الثقافية والوطنية في زمن العولمة، تحليل الظواهر الاجتماعية، العنف، التطرف، الهجرة، والبطالة، وفهم الإنسان. ولذا بدل من إلغاء العلوم الإنسانية والاجتماعية علينا أن نعمل على تطويرها وتحديث أساليب تدريسها، لتكون أكثر تطبيقا وارتباطا بالواقع، وتشجيع البحث النقدي، وربطها بالتكنولوجيا وقضايا العصر ومنها الذكاء الاصطناعي، البيئة، والعولمة، لخدمة كل مؤسسات الشعوب والدول.

• عضو هيئة تدريس سابق بقسم الإعلام – جامعة أم القرى
• مقيم في الولايات المتحدة الامريكية

د. فيصل أحمد الشميري

عضو هيئة التدريس بقسم الإعلام بجامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى