كتاب الرأي

من الثورة الى الدولة المارقة: كيف انحرفت إيران عن مسارها؟

«خلف الخطوط»

ليس أخطر ما في الثورات انها تفشل، بل ان تنجح في التحول الى انظمة تعيد انتاج ما ثارت عليه بصورة أكثر صلابة واطول عمرا. وهذا هو الوجه الاكثر وضوحا في التجربة الإيرانية منذ عام 1979، كثورة وُلدت بوعد التحرر لكنها استقرت كنظام يضيق بالمجتمع في الداخل ويشتبك مع محيطه في الخارج. وبين الشعار والممارسة تشكل مسار انحراف لم يعد قابلا للتجاهل او التجميل.
منذ اللحظة الاولى، لم تتجه الثورة الإيرانية نحو بناء دولة وطنية طبيعية، بل نحو تأسيس مشروع ايديولوجي مغلق يحتكر السلطة باسم الدين ويقصي المجتمع باسم الثورة. ومع مرور الوقت، لم تتراجع هذه النزعة، بل ترسخت عبر مؤسسات موازية للدولة جعلت القرار الحقيقي خارج الأُطر التقليدية للحكم، وحوّلت النظام الى بنية هجينة تجمع بين الدولة والتنظيم العقائدي.
هذا الانحراف البنيوي لم يَبق شأنا داخليا. فبدلا من التركيز على بناء اقتصاد مستقر وتحقيق رفاه المجتمع، اختارت طهران توسيع نفوذها عبر دعم الميليشيات وتغذية الصراعات في المنطقة. وهنا تحديدا بدأت ملامح إيران كدولة مارقة تتشكل، في سلوك خارجي قائم على تقويض الدول وتغليب منطق الوكلاء على منطق العلاقات الطبيعية بين الدول.
لم تأت المواجهة الراهنة بين إيران والولايات المتحدة من فراغ؛ فهي حلقة في سلسلة طويلة من الاشتباك مع النظام الدولي، من الملف النووي والصاروخي الى تهديد امن الطاقة والممرات البحرية، وصولا الى استخدام الجماعات المسلحة كوكلاء وادوات ضغط. وهذه الحرب ليست مجرد نزاع بين دولتين، بل تجسيد عملي لاختيارات نظام قرر ان يبني حضوره على حافة الصدام المستمر، وان يراكم اوراق القوة عبر خلق الازمات لا عبر الانخراط المسؤول في ترتيبات الامن والاستقرار.
ورغم ذلك، لم يكن هذا المسار دليلا على قوة بقدر ما كان تعبيرا عن ازمة. فالنظام الذي يفتقر الى شرعية داخلية متماسكة يلجأ غالبا الى تعويض ذلك عبر ادوار خارجية صاخبة. لكن هذه المعادلة تحمل تناقضا خطيرا: كلما توسع الخارج ازداد الضغط في الداخل، وكلما ارتفعت كلفة المواجهة مع واشنطن ازدادت وطأة الاعباء الاقتصادية والاجتماعية على المواطن الإيراني الذي لا يملك قرار الحرب ولا قرار السلام.
اليوم، يتجلى هذا التناقض في اقتصاد يعاني من اختلالات عميقة، ومجتمع شاب أكثر اتصالا بالعالم واقل تقبلا للقيود، واحتجاجات تتكرر بوتيرة تعكس تآكل الثقة بين الدولة والمجتمع. وفي المقابل، تستمر السلطة في الاعتماد على الادوات الأمنية، في مشهد يعيد انتاج الازمة بدلا من حلها.
اما على المستوى الدولي، فإن تقارب إيران مع روسيا والصين لا يخرج عن كونه تحالف ضرورة فرضته العزلة أكثر مما صنعته الرغبة. لكنه في الوقت ذاته يعكس تموضعا ضمن محور لا يقوم على الاندماج في النظام العالمي بل على تحديه، وهو ما يعمق صورة إيران كدولة خارج السياق الطبيعي للعلاقات الدولية ويكرس وصفها كدولة مارقة في الخطاب السياسي والإعلامي.
التأريخ يقدم إشارات لا يمكن تجاهلها. فالأنظمة التي تصر على تجميد نفسها داخل قوالب ايديولوجية مغلقة، وتتعامل مع المجتمع كخصم، تنتهي إما الى الانفجار أو إلى إعادة تشكيل قسري. فالاتحاد السوفيتي مثال على الأول، بينما تمثل الصين نموذجاً لتحول محسوب. وأما إيران، فلا تزال تؤجل الحسم، لكنها لا تستطيع تأجيل الاستحقاق الى ما لا نهاية.

ختاماً..
إيران اليوم ليست أمام أزمة سياسات فحسب، بل أمام أزمة تعريف, فهل هي دولة تسعى للاستقرار، أم ثورة تبحث عن البقاء بأي ثمن؟ وما يحدث ليس تعثراً عابراً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من تغليب الأيديولوجيا على منطق الدولة، واختيار الاشتباك الخارجي بديلاً عن الإصلاح الداخلي. وحين تصل الانظمة الى هذه المرحلة، لا تعود المشكلة في الضغوط الخارجية، بل في عجزها عن التكيف مع الداخل.
قد تنجح طهران في إدارة أزماتها لبعض الوقت، وقد تواصل تمديد عمر هذا التناقض، لكن التأريخ أكثر صرامة من أن يُخدع الى الأبد. فالدول التي تبني أمنها على الخوف من شعوبها، وتبني نفوذها على هشاشة جيرانها، لا تكتب استقرارا دائماً، بل تؤجل لحظة الانكشاف. وحين تحين تلك اللحظة، لا تكون الصدمة في السقوط، بل في إدراك ان الانحراف بدأ منذ البداية، وان ما جرى لم يكن قدراً محتوماً، بل مساراً تم اختياره عن وعي وإصرار.

اللواء ركن م. د . خالد بن شويل الغامدي

زاوية «خلف الخطوط» • متخصص في شؤون الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة والتخطيط الاستراتيجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى