
«بدالله الفيصل .. الرمز الذي عرفته» (الحلقة 5)
•
في الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي، لم يكن للفضاء الرقمي أي وجود في حياتنا الاجتماعية، ولم تكن قد ظهرت “الجوّالات” بشاشاتها وكاميراتها، ولا حتى وسائل التواصل الاجتماعي بتطبيقاتها ومنصاتها المختلفة. وبالتالي، كنتُ كصحفي يلتقي برائد الرياضة ومؤسسها الأمير عبدالله الفيصل – يرحمه الله – أدوّن إجاباته على ورقة أحملها في جيبي، فلم أرغب في استخدام جهاز التسجيل – رغم توفره آنذاك – تعزيزًا للثقة، ولإضفاء نوع من اللقاء الودي يتيح لسموه ومن في المجلس التحدث بأريحية.
لم أكن مستعجلاً ولهذا كنت أكتفي في كل زيارة بطرح سؤال أو سؤالين فقط، يجيب عنهما سموه، وبعض الأحيان تكون الإجابة مقتضبة، لكنها ذات مدلولات عميقة، بمثابة مفاتيح لموضوعات مهمة تحفزني للبحث عن التفاصيل في مصادر ووثائق لا يطالها الشك، كما حدث في موضوع “حل النادي الأهلي” الذي نشرته في الحلقة الماضية، ويبدو أنه أثار حفيظة البعض، مع أنه حقيقة تاريخية ثابتة “رسميًا”، ولا عيب فيها، ولا تستدعي ذلك الاحتقان وردة الفعل الغاضبة من بعض الأعزاء الأهلاويين. وليتهم يقتدون بالرمز الأهلاوي الكبير “عبدالله الفيصل”، الذي أشار إلى حل النادي كخطوة تصحيحية قادت النادي بعد ذلك إلى البطولات.
ثم إن كلام الأمير عبدالله الفيصل عن “حل الأهلي كتجربة ناجحة يمكن تكرارها مع نادي الاتحاد لهدم الخراب الذي كان عليه” لم يكن مقتبسًا من كتابي عنه، أو كما يسميه البعض “مسودة كتاب”، بل كان كلامه فعلًا، وقاله نصًا في الحوار الذي نشرته صحيفة “عكاظ”، وتجدون صورة منه في نهاية هذا المقال.
ولعلني أشير هنا إلى أن ما أنشره في هذه الحلقات من أحداث ووقائع ليس إلا بعض الملامح البارزة من سيرة تأسيس الرياضة السعودية وبصمات رائدها الأمير عبدالله الفيصل، ومن حق جيل اليوم ومن بعده أن يعرف كيف بدأنا الركض في ملاعب كرة القدم، ومن الذي وضع حجر الأساس الرسمي لها.. فهناك الكثير من شباب اليوم يجهل من هو “عبدالله الفيصل”، وماذا قدم لهذا الوطن الغالي، ليس في الرياضة فحسب، بل في مجالات أخرى عديدة. وهذا الذي أحاول القيام به هنا في هذه الحلقات التوثيقية والتنويرية؛ فمن حقه علينا، كرياضيين، وكمحبين وأوفياء لهذا الرمز، أن نسلط الضوء على إنجازه الوطني، ونروي قصته مع التأسيس الرياضي كما هي، حتى لا يطويها الزمن وتنساها الأجيال.
قد تكون بعض الحقائق صادمة، أو تتعارض مع أهواء البعض وميولهم، فتستفزهم إلى حد الصراخ والاستنكار، بل والتحريض ضد كاتب هذه السطور. ومع ذلك، لن يعيقني موقفهم “السلبي” وتفكيرهم “السطحي” عن مواصلة المشوار، طالما أني ألتزم بالأمانة التاريخية في رواية الحقيقة، حتى ولو كانت تصطدم بميولي الرياضية كصحفي “اتحادي”.. فلا ضير عندي من ذلك، وستجدون في هذه الحلقة وغيرها لاحقًا ما قد يستنكره بعض الاتحاديين، أو لا يتفق مع أهوائهم أو يمس الثوابت والروايات التي يعتمدونها بوصفها هوية للنادي وتاريخه العريق.
• لعبت في مكة فسموني “عبدالله كورة”
وفي حلقة اليوم نتطرق إلى محاور مهمة من الحراك الرياضي قبل عام التأسيس الرسمي مباشرة، وأخص بالذكر علاقة الأمير عبدالله الفيصل بكرة القدم، وما تلا ذلك من الدعم المالي والمعنوي والرعاية لأندية الاتحاد والأهلي والوحدة وبقية الأندية القليلة الموجودة في تلك المرحلة المبكرة من تاريخنا الرياضي، وكيف تشكلت وتطورت هذه العلاقة لتكون فيما بعد ركيزة مهمة في مشروعه التاريخي لتأسيس الرياضة السعودية. وقد تحدث سموه عن هذا فقال:
في بداية الخمسينيات الهجرية كنت أعيش في مكة المكرمة، وكانت الجالية الإندونيسية “الجاوه” قد بدأت توسيع ممارستها لكرة القدم في أحياء مكة المكرمة، ولكن بغير أصول فن اللعبة، حيث كان يشارك في الفريق الواحد ستة عشر أو عشرون لاعبًا. فأخذت أمارس لعبة كرة القدم معهم، بمشاركة بعض أصدقائي في حارة “جرول”، واستمرت ممارستي للكرة فترة ليست بالقصيرة، حتى إن البعض أطلق عليّ لقب “عبدالله كورة”، وذلك من شدة حبي لها واهتمامي بها.
ويشير سموه إلى نقطة التحوّل في علاقته بكرة القدم وتأسيس الرياضة، فيقول:
توطدت علاقتي بالرياضة مع مرور الأيام، وفي مرحلة لاحقة من عمري، وبالتحديد في عام 1367هـ – 1947م، كنت في زيارة إلى مصر، وتعرفت هناك على بعض الأصدقاء، من بينهم “حيدر باشا” رئيس نادي فاروق “الزمالك حاليًا”. وعن طريقه حضرت بعض مباريات كرة القدم في القاهرة، والحقيقة أنني استطعمت حلاوة هذه اللعبة من خلال مشاهداتي لهذه المباريات، وترسخت في ذهني مفاهيم جديدة عن اللعبة وقانونها.
وعندما عدت إلى المملكة، كان هناك قرار قد صدر بحق الفرق في جدة ومكة بمنع مزاولة أي نشاط كروي، خاصة أن بعض الفرق في جدة قد مزجت بين السياسة والرياضة. وتسبب هذا المنع في تدهور حال الفرق وتشتت اللاعبين هنا وهناك، ومنهم من سافر إلى خارج المملكة للعمل أو الدراسة، كمحمد عبدالله علي رضا، الذي غاب لمدة عامين ثم عاد. فحزّ في نفسي أن أرى الرياضة في بلدي تحتضر وهي لم تولد بعد، وظل هذا الشعور يلازمني إلى أن بدأت بعض الفرق تحاول لمّ شملها من جديد مع بداية عام 1369هـ – 1949م، وأخذت تلعب مع فرق البوارج البحرية، حتى تملكتني رغبة ملحّة في تأسيس الرياضة بصفة رسمية، وتحقق هذا، والحمد لله.
• اليوم الذهبي في تاريخ الاهلي
ويجدر بنا التوقف قليلًا عند هذه المرحلة المفصلية المتعلقة بمبادرات الفرق المحلية لرفع سقف التنافس والحماس، وتعزيز الانتماء الجماهيري، ونشر اللعبة من خلال تنظيم بعض المباريات مع فرق البوارج البحرية والسفن الأجنبية الراسية في ميناء جدة.. وأذكر أنني في أواخر الثمانينيات الميلادية قمت بزيارة خاصة للشيخ عمر شمس، رئيس النادي الأهلي – يرحمه الله –، وهو أحد مؤسسي الأهلي ورؤسائه البارزين. زرته في بيته العامر بجدة، وتحدث إليّ عن تلك المرحلة التاريخية، وأشاد بدور الأمير عبدالله الفيصل في احتضان النشاط الرياضي ورعايته، ودعمه للأندية، وحضوره الشخصي للمباريات، مما ساهم بدور كبير في الاعتراف الرسمي باللعبة، وانتشار ممارستها، وظهور فرق جديدة في جدة ومكة والطائف.
وعندما سألت الشيخ عمر شمس عن أبرز ما يذكره من مواقف الأمير عبدالله الفيصل مع النادي الأهلي قبل التأسيس الرسمي للرياضة، فقال:
• لن أنسى ما حييت ذلك اليوم الذهبي في تاريخ النادي الأهلي، يوم الجمعة الخامس من شهر جمادى الثانية عام 1369هـ، عندما استجاب الأمير عبدالله الفيصل لطلبنا أن تُقام مباراتنا مع الفريق الإيطالي تحت رعاية سموه الكريم، وحضوره شخصيًا إلى ملعب الأهلي. كان ذلك يومًا تاريخيًا من أيام الأهلي، وقد قمنا بتوثيق الحدث وتسميته “اليوم الذهبي الأغر”، واعتبرناه تذكار شرف وفخر لفريق الأهلي لكرة القدم، وكتبنا ذلك فعلًا في بطاقة شرفية، وتفضل سموه بالتوقيع عليها.
في هذه الزيارة ولقائي بالشيخ عمر شمس، أفادني، يرحمه الله، بمعلومات مهمة جدًا، كما أطلعني على الوثيقة التاريخية الخاصة باليوم الذهبي للأهلي، وكان يحتفظ بها في ملف جلدي فاخر، فقرأت ما كُتب فيها وتوقيع الأمير عليها، ثم أعطاني صورة منها، لا أزال أحتفظ بها إلى هذا اليوم.
• تكريم الاتحاد برحلة القاهرة
– زاد اهتمام الأمير عبدالله الفيصل بحضور المباريات والمناورات الكروية بين الفرق المحلية وفرق البوارج الزائرة في عامي 1369–1370هـ، وقد شفع هذا للاتحاديين القيام بمحاولة استمالة الأمير عبدالله الفيصل إليهم وكسب رعايته ودعمه المادي والمعنوي. ففي عام 1370هـ – 1950م، رفع الاتحاديون التماسًا إلى الأمير عبدالله الفيصل بالموافقة على وضع الفريق تحت رعايته، فاستجاب سموه لهذه الرغبة، وحضر المباراة التي لعبها الاتحاد مع فريق البارجة الإنجليزية “شيفرن” في شهر ربيع الأول من عام 1370هـ. كما حضر معه هذه المباراة الأمير منصور بن عبدالعزيز، وزير الدفاع آنذاك، والشيخ عبدالله السليمان، وزير المالية الأسبق، وانتهى اللقاء المثير بفوز الاتحاد بهدف واحد مقابل لا شيء.
– وكان للتفوق الذي سجله الاتحاد في هذه المباراة أثره في إعجاب الجميع بهذا الفريق الوطني الكبير، فتبرع الأمير منصور بن عبدالعزيز بطائرة خاصة على حسابه لنقل الفريق إلى القاهرة للاطلاع على النشاط الرياضي في مصر، ومشاهدة بعض المباريات هناك. كما تبرع الأمير عبدالله الفيصل بتكاليف إقامتهم هناك لمدة سبعة عشر يومًا، وأمدهم بالكسوة اللازمة.
• صلح اتحادي برعاية “الفيصل”
وأذكر أنني التقيت في القاهرة بالعم حمزة فتيحي، وهو من مؤسسي نادي الاتحاد الأوائل، وسألته عن هذه الرحلة التاريخية، وكان يجلس معنا أيضًا في شقة فتيحي صديقه المقرب الأستاذ عبدالحميد مشخص، أحد كبار الاتحاديين، فقال فتيحي:
– بعد انفصالي عن نادي الاتحاد العربي السعودي، وقيامي مع بعض اللاعبين بتكوين فريق آخر سميته “الاتحاد الوطني”، علمت بسفر الاتحاديين إلى القاهرة بطائرة الأمير منصور بن عبدالعزيز، وعلى نفقة الأمير عبدالله الفيصل، فوجدت نفسي في موقف حرج أمام لاعبي فريقي “الاتحاد الوطني”، فلا بد أن ينالوا من التقدير مثل بقية زملائهم في “فريق الاتحاد العربي السعودي”، بالسفر إلى القاهرة ومشاهدة فريق “هوستوريا” النمساوي، الذي سيلعب هناك مع الفرق المصرية.
– فذهبت إلى الشيخ محمد رضا – يرحمه الله – وشرحت له الموضوع، فقال: “إن كنت تريدهم أن يسافروا على باخرتي، فأعطني أسماء اللاعبين وأنا أرسلهم”. فخرجت من عنده على أساس أن أعد قائمة بأسماء اللاعبين. وفي الطريق خطر على بالي الأمير عبدالله الفيصل، فقررت مقابلته، ولم يسبق لي مقابلته من قبل.
– وكان هناك صديق لي اسمه الشيخ علي الجفري، فذهبت إليه وأخبرته بالموضوع، فقال لي: “تعال على بيت الأمير وبس”. وبالفعل ذهبت في اليوم التالي إلى منزل الأمير، فوجدت علي الجفري بانتظاري، فاستقبلني وأدخلني إلى مجلس الأمير عبدالله، فقال لي: “هاه يا حمزة، وش عندك؟”. فتحدثت، وأظهرت للأمير خلفيتي الرياضية، ثم عرضت عليه موضوع اللاعبين الخمسة الذين كونت بهم فريق “الاتحاد الوطني”، فوافق سموه على إرسالهم إلى القاهرة، ومنحنا كسوة كاملة.
– وقبل السفر بأيام، تقدم عمر شمس، رئيس النادي الأهلي، يطلب من الأمير عبدالله الموافقة على سفر مجموعة من لاعبي الأهلي إلى القاهرة، وأن تسافر معنا على نفس الطائرة، فوافق سموه على أن تكون مجموعة الاتحاد تحت إشرافي، وتكون مجموعة الأهلي تحت إشراف عمر شمس. وتم السفر بهذا الترتيب، ثم عدنا بسلام.
ولما كان الانقسام الاتحادي حقيقة تاريخية لا تقبل الشك، سألت العم حمزة فتيحي عن الصلح الذي تم بين الاتحاديين، وكيف عاد لاعبو فريق “الاتحاد الوطني” إلى فريقهم الأصلي “الاتحاد العربي السعودي”، فقال:
• كان الأمير عبدالله الفيصل وراء الصلح الذي تم بين فريق الاتحاد العربي السعودي وفريق الاتحاد الوطني، فقد بذل سموه جهدًا كبيرًا، وقام بسماع أحاديث الجانبين لتقريب وجهات النظر بينهما. وقد تحدث معي بهذا الخصوص، مؤكدًا على ضرورة حل النزاع ولمّ شمل الفريق، فقلت له: “طال عمرك، أنا لم أرتكب بحقهم أي خطأ، والمفروض أن يتقدموا هم بالصلح ويحضروا إليّ، خاصة وأنهم بحاجة إليّ، فمعي أفضل اللاعبين الوطنيين، أمثال صالح زهران أبيض، ومصطفى جمجوم، وحسام الدين”.
فقال الأمير عبدالله: “أنا أبيك إنت تبدأ بالصلح، وأنا أرافقك في زيارتهم”.
فقلت له: “طالما دي رغبتك، وإنت معي، فلا مانع عندي”.
وفعلًا ذهبنا إلى منزل الشيخ عبدالعزيز جميل، رئيس الاتحاد العربي السعودي، ودار بيننا نقاش حاد، حتى تدخل الأمير عبدالله الفيصل بحكمته ورجاحة عقله، فحل النزاع الذي كان بيننا، وتم الصلح، والتأم شمل الاتحاديين من جديد.






