الحلقة 7
أسدل الستار على بطولة كأس العالم، ليقترب “المونديال” نحو موعد تاريخي ننتظره في عام 2034م حين تستضيف المملكة العربية السعودية أكبر حدث رياضي على وجه الأرض، وفي إنتظار المشهد العالمي تمتد جذور القصة التي نرويها اليوم إلى نحو سبعة عقود مضت، حين غرس الأمير عبدالله الفيصل “يرحمه الله” البذرة الأولى للرياضة السعودية الحديثة، مؤمناً بدورها في بناء الإنسان وصناعة المستقبل، ومن تلك البدايات المتواضعة، نمت الرياضة السعودية حتى أصبحت اليوم شجرة وارفة الثمار.
وقد تحقق ذلك بفضل الله ثم بالأمن والاستقرار اللذين أرسى دعائمهما الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه -، ثم واصل أبناؤه الملوك البررة مسيرة البناء، فترسخت المؤسسية في كل القطاعات، وازدهرت الرياضة حتى غدت المملكة على موعد مع استضافة مونديال 2034م في مشهد يستحق أن نعرضه للعالم في فيلم وثائقي يلتقي فيه مجد البدايات بعظمة المنجزات.
• قبل التنظيم الرائد يقرأ المشهد
كنت أعتزم الحديث في هذه الحلقة عن مشروع التنظيم الرسمي، لكني رأيت من اللازم المرور قبل ذلك على محورٍ مهم يتعلق بالعنصر الرئيس الذي قام عليه هذا المشروع، وأعني به الفرق الرياضية التي كانت موجودة آنذاك، ويمارس أفرادها لعبة كرة القدم في ملاعب ترابية مفتوحة، ومنافسات غير منظمة، بلا مدربين ولا حكام مؤهلين. لكنها، مع ذلك، كانت تستقطب اهتمام الشباب وتلفت أنظارهم، وفي مقدمتهم الأمير الشاب عبدالله الفيصل، الذي عشق اللعبة ومارسها منذ صغره. وظل سموه يتابع النشاط الكروي لهذه الفرق، ويحضر ويرعى بعض المباريات، ويسلم الكؤوس والجوائز، ويقف مباشرة على طبيعة المشهد الرياضي، ويتعرف على الكثير من المعوقات والمشكلات التي تواجهها الفرق، وكأنه كان يغذي حصيلته المعرفية بما يحتاج إليه لاحقًا عندما يبدأ مشروعه النهضوي. فمن هي هذه الفرق التي كانت حاضرة في المشهد الرياضي قبل مرحلة التأسيس وأثناءها؟ وكيف، ومتى، وأين ولدت؟
السؤال كبير، وتطول الإجابة عنه، لكني سأكتفي هنا بأبرز ما يهم القارئ، دون الخوض في التفاصيل التي يمكن الرجوع إليها في مصادرها الوثائقية. أما بالنسبة لما أذكره هنا، فقد اعتمدت فيه أولاً على توفيق الله عز وجل ثم على خبرتي الطويلة في الإعلام الرياضي، التي امتدت لنصف قرن، ثم على الشهادات الشفهية التي حصلت عليها من لقاءات شخصية مباشرة جمعتني، وجهاً لوجه، مع بعض الرواد الذين عاصروا تلك الفترة التأسيسية، وعلى رأسهم، بالتأكيد، «الرمز الذي أحبه»، رائد الرياضة ومؤسسها الأمير عبدالله الفيصل -يرحمه الله-، والشيخ حمزة فتيحي وعبدالحميد مشخص من «الاتحاد»، والشيخ عمر شمس من «الأهلي»، والشيخ كامل أزهر من «الوحدة»، والخبير الرياضي مصطفى كامل منصور، الذي استقدمه الأمير عبدالله الفيصل، فوضع أول نظام للرياضة في تاريخ المملكة، وقام بعملية مفصلية تمثلت في تسجيل أسماء الأندية وتواريخ تأسيسها، ومنحها تراخيصها الرسمية. كما التقيت بالشيخ محمد يحيى طرابلسي، مدير إدارة الشؤون الرياضية في وزارة الداخلية، وشخصيات أخرى، إلى جانب مصادر ووثائق أخرى عدت إليها لتأكيد معلومة أو معرفة تفاصيل أدق، كالصحف القديمة والكتب، ومنها موسوعة تاريخ الحركة الرياضية للدكتور أمين ساعاتي -يرحمه الله-، وكذلك السجل الرياضي السعودي للمهندس تركي محمد بحه. ولكن تكفيني شهادات هؤلاء الرواد الكبار الذين ذكرت أسماءهم كمرجعيةً توثق كل ما كتبته في هذه الحلقات، وما سينشر لاحقاً، إن شاء الله.
• من الرياضي إلى الاتحاد .. بدأت الحكاية
واستناداً إلى كل ذلك، يمكن القول إن ممارسة كرة القدم في المملكة بدأت في مكة المكرمة عن طريق فرق كوَّنتها الجالية الإندونيسية «الجاوة»، وكانت تمارس اللعبة في برحات وأزقة حارات مكة، لكنها كانت ممارسة عفوية يطغى عليها الحماس أكثر من التنظيم. أما تشكيل الفرق الكروية بالمعنى المتعارف عليه، فقد بدأ في مدينة جدة، التي شهدت ميلاد فريق «الرياضي» عام 1346هـ، بوصفه أول فريق جرى تكوينه على يد عدد من أعيان جدة ويضم نخبة من شباب بيوت جدة المعروفة والميسورة، وبعضهم من أصحاب الحضور الأدبي والثقافي البارز، مثل حمزة شحاتة، ومحمد حسن عواد، وأحمد قنديل. غير أن الفريق لم يلبث أن انقسم بسبب قناعات طبقية تبناها بعض أفراده، طالبوا بموجبها باستبعاد البسطاء والكادحين من اللاعبين. فرفض غالبية اللاعبين تلك المطالب، ووقع الخلاف والانقسام، لتقرر المجموعة الرافضة للطبقية تكوين فريق جديد، لا مكان فيه للتمييز الطبقي أو العنصري، ومتاح للجميع، وأطلقت عليه اسم «الاتحاد» .
• المباراة التي غيّرت تاريخ الرياضة السعودية
وسرعان ما التف حول هذا الفريق عدد كبير من الشباب، وأخذ يتدرب بحماس استعدادًا لملاقاة «الرياضي». وهناك التقى الفريقان، الأصل والفرع، في أول مباراة وطنية تُقام على أرض المملكة، وانتهت بفوز الاتحاد بثلاثة أهداف، في نتيجة كانت كفيلة بتأكيد قوة انطلاقته من جهة، وكتابة النهاية المبكرة لفريق «الرياضي» من جهة أخرى. فقد تشتت شمل الفريق بعد تلك المباراة، واعتزل بعض لاعبيه، وتوقفت تدريباته تدريجيًا حتى تلاشى تمامًا، ولم يعد له وجود.
أما الاتحاد، فقد انطلق بثبات، وشكَّل أول مجلس إدارة في تاريخ الرياضة السعودية برئاسة السيد علي سلطان، وواصل مسيرته لتحقيق الامجاد ولم يتغير أسمه الأصلي “الاتحاد” وإنما تغيرت الصفة اللاحقة بالإسم فقط ومنها “الاتحاد العربي السعودي” الذي اطلق عليه بعد توحيد المملكة العربية السعودية، أما فريق “الاتحاد الوطني” فكما أخبرني حمزة فتيحي – يرحمه الله – أنه في عام 1370هـ حدث خلاف داخل الفريق بين حمزة فتيحي واللاعب زكي داود فقام مع أربعة من اللاعبين بالانفصال عن فريق الاتحاد وكونوا فريقاً آخر أطلق عليه “الاتحاد الوطني” ثم عاد بعدها المنشقون إلى فريقهم الأساسي “الاتحاد” بعد جلسة صلح تمت برعاية الامير عبدالله الفيصل – يرحمه الله – أما فريق “الاتحاد الرياضي” فقد انشق أيضاُ بعض الاتحاديين عن الفريق الاصلي “الاتحاد العربي السعودي” وكونوا فريقاً جديداً بإسم “الاتحاد الرياضي” برئاسة صالح شحبر لكنه الفريق المنشق لم يلبث أن تم حله في نفس العام الذي وُلد فيه 1373هـ بعد أن ترأس الاتحاد العربي السعودي عبدالحميد مشخص الذي قام بلم شمل الفريق وأعاد اللاعبين الذين انتقلوا للاتحاد الرياضي واستقدم مجموعة جديدة من اللاعبين السودانيين وخاض بهم المنافسات، وبهذا يعتبر نادي الاتحاد هو النادي السعودي الوحيد الذي رغم هزة الانقسام وتفريعة الانشقاق ظل محافظاً على إسمه وكيانه بثبات راسخ منذ تأسيسه حتى يومنا هذا.
ومن هنا استمد الاتحاد عمادته التي لا ينازعه فيها أحد؛ فهو وفق الأدلة والبراهين والوثائق والشهادات المكتوبة والشفهية، أول فريق سعودي تأسس رسمياً في ظل هذه الدولة السعودية المباركة – حفظها الله- ثم توالى بعده تأسيس بقية الأندية، لتدور عجلة الرياضة تحت راية التوحيد التي نرفعها جميعاً ونستظل بها قيادةً وشعباً.
بعد عامين من تأسيس الاتحاد، ظهر في جدة فريق جديد حمل اسم «البحري»، وكان معظم لاعبيه من أبناء حارة البحر والعاملين في مهنة البحر، وترأسه سليمان مناع. وبعد فترة الإيقاف الشامل للرياضة، غُيِّر الفريق اسمه إلى «الهلال البحري» برئاسة حسن أبو داود، ثم تولى رئاسته لاحقًا جميل قمصاني.
وبعد سنوات من الحضور اللافت لهذا الفريق، وتحديداً عند صدور نظام ترخيص الأندية عام 1388هـ، جرى دمج «الهلال البحري» مع فرق «السلام» و«التسامي» و«رضوى» و«الطالب»، واختير للكيان الجديد اسم “الثغر” وهذا الاسم بالمناسبة هو الاسم الذي تركه الاهلاويون بعد عودتهم للاسم الأول ولهذا قصة أخرى .
• من أسس “الأهلي”.. وكيف أصبح “ثغراً” ؟
ولفريق «الأهلي» قصة أخرى يرويها التاريخ، وتمضي عبر الزمان كما يقول عشاقه. فبحسب ما خرجت به من لقائي الخاص بالشيخ عمر شمس -يرحمه الله-، ولقائي أيضًا بالشيخ حمزة فتيحي -يرحمه الله-، إلى جانب عدد من مصادري الأخرى، فإن الأهلي تأسس على يد حسن شمس -يرحمه الله-، الذي كان لاعبًا في الاتحاد، يبحث عن فرصة أوسع ومساحة كافية لممارسة اللعبة التي أحبها، ويرغب في تسجيل حضوره الكروي بصورة أفضل.
ودارت في رأسه فكرة تكوين فريق وطني مستقل يحقق من خلاله طموحه، فبدأ بعرض الفكرة على مجموعة من زملائه الطلاب في مدرسة الفلاح، التي كان أحد لاعبي فريقها أيضًا، فرحبوا بالفكرة واتفقوا على تنفيذها عام 1357هـ.
وتولى حسن شمس التنسيق والتشاور مع حمزة فتيحي، الذي أسهم بخبرته في دعم الفريق حتى اشتد عوده وقام على قدميه، كما شارك في إدارة الفريق عدد من أبناء بيوت جدة المعروفة، مثل آل شمس، وآل البترجي، وآل باناجة، وآل الصائغ. وكانت تلك الانطلاقة سببًا في أن يصبح الأهلي، فيما بعد، منافسًا قويًا وندًا عنيدًا للاتحاد.
وبعد وفاة المؤسس حسن شمس، تولى شقيقه عمر شمس رئاسة النادي، واستطاع تدعيم الفريق الكروي بمجموعة مميزة من اللاعبين، خاض بهم مباريات مهمة، من أبرزها مباراته أمام فريق البارجة الإنجليزية “جون هاوارد” يوم 7 جمادى الأولى عام 1369هـ، والتي انتهت بفوز الأهلي. وبعدها بشهر، التقى الفريق بمنتخب إيطالي يوم الجمعة 5 جمادى الثانية 1369هـ، بحضور الأمير عبدالله الفيصل، وأُطلق على تلك المناسبة اسم “اليوم الذهبي الأغر” .
لكن بعد عامين فقط من ذلك اليوم، وتحديداً في عام 1371هـ، نشب خلاف كبير داخل البيت الأهلاوي، أدى إلى انقسام الفريق. فتم استحداث فريق جديد حمل اسم “الثغر”، بينما احتفظ عمر شمس باسم الأهلي وشعاره كحق مكتسب باعتبار أخيه حسن شمس هو صاحب الفكرة ومؤسس الفريق.
وتعاقب على رئاسة «الثغر» عدد من الرؤساء، منهم عبدالرحمن بن سعيد وجميل قمصاني، ولم يحقق الفريق سوى بطولة واحدة، هي كأس سمو ولي العهد عام 1377هـ. ثم عاد الفريق إلى اسمه الأول عام 1381هـ، بعد موافقة اللجنة الرياضية العليا بوزارة المعارف على طلب تعديل الاسم من “الثغر “إلى “الاهلي” ليعود إلى اسمه الذي تأسس به أول مرة.
وأخيراً..
نكتفي بهذا القدر من قصة الرياضة، ونستكمل في الحلقة المقبلة إن شاء الله قصة تأسيس الاندية في مكة المكرمة حيث وضع الرمز الرائد الامير عبدالله الفيصل حجر الاساس الرسمي في مقر وزارة الداخلية.




