المقالات

الأدب والثقافة أهم من الشهادة

في زمنٍ أصبحت فيه الشهادات تُزيّن الجدران والألقاب تسبق الأسماء ينسى بعض الناس أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يحمله من أوراق بل بما يحمله من أخلاق وفكر وسلوك.

فالشهادة العلمية مهما بلغت مكانتها تظل دليلاً على مرحلة من التعلم، أما الثقافة فهي رحلة عمرٍ كاملة لا تتوقف عند قاعة دراسية ولا تنتهي عند منصة تخرج.

كتبت هذه المقدمة بعد أن حضرت محاضرة لمعالي مدير جامعة أم القرى سابقاً الرجل الخلوق الأستاذ الدكتور بكري معتوق عساس بعنوان (سنوات الدال ) وهي ضمن لقاءات مؤسسة المداد الثقافية التي تقيمها بين كل فترة وأخرى .

تحدث فيه الدكتور بكري عن علاقته الجيدة بوالدته وأسرته وجيرانه وكيف كانت سبباً في ارتياحه النفسي وزيادة تحصيله العلمي والوقوف الى جانبه في كثيرٍ من المواقف التي تستدعي الدعم والتشجيع .

حتى جيرانه في الغربة رغم اختلاف العادات والتقاليد والأديان والأعراق كانوا خير معين له خلال سنوات دراسته التي أمتدت بضع سنوات .

وبطبيعة الحال لم يكن ليحدث له ذلك الرضى من والدته والمؤازرة من جيرانه وبلوغه أعلى المناصب في وطنه لولا توفيق الله ثم تواضعه الجم وتمسكه بالقيم العالية والأخلاق الفاضلة التي نشأ وتربى عليها .

تطرقت الى ما تطرقت اليه لأننا كثيراً ما نصادف في حياتنا اليومية أشخاصاً يحملون أعلى المؤهلات لكن أحاديثهم تفتقر إلى الحكمة وتعاملاتهم تخلو من الذوق وسلوكياتهم لا تعكس ما يفترض أن يصاحب العلم من تواضع ورقي.

وفي المقابل نجد أناساً لم تتح لهم فرص التعليم العالي لكنهم يمتلكون من الوعي والفهم وحسن التصرف ما يجعلهم محل احترام وتقدير أينما حلّوا.

الثقافة الحقيقية ليست مخزوناً من المعلومات يُستعرض عند الحاجة وليست مفرداتٍ منمقة تُقال في المجالس بل هي انعكاس لما استقر في النفس من قيم ومبادئ تظهر جليةً في طريقة الحوار وفي تقبل الرأي والرأي الآخر و حسن الاستماع قبل الحديث والقدرة على التعامل مع الناس بأدب وتواضع وإنصاف.

الإنسان المثقف لا يُعرف أنه مثقف نتيجةً لكثرة ما يتحدث به في المجالس ويستحوذ فيها على الكلام بل خير الكلام ما قل ودل وقليلٌ مفيد خيرٌ من كثيرٍ مُمِل.

الثقافة التي لا تُهذب النفس تبقى معلوماتٍ جامدة والعلم الذي لا ينعكس على المعاملة يفقد كثيراً من قيمته.

ولعل أجمل ما في الثقافة أنها تُرى قبل أن تُسمع في ابتسامة صادقة وكلمة طيبة، واحترام الكبير وتقدير الصغير والترفع عن سفاسف الأمور والإساءة للآخر عند الاختلاف.

إنها سلوك يومي يمارسه الإنسان دون تكلف حتى تصبح أخلاقه هي الشهادة الأصدق التي يحملها بين الناس.

لقد أدرك الحكماء منذ القدم أن الإنسان لا يُعرف بما يقول عن نفسه، بل بما يقوله الناس عنه بعد مخالطته.

لذلك كانت الأخلاق هي المعيار الأصدق وكانت المعاملة هي المرآة التي تعكس حقيقة التربية والثقافة فما أكثر الشهادات التي أبهرت العيون، وما أقل القيم التي أَسَرت القلوب.

وفي الختام تبقى الألقاب والشهادات أسباباً للفخر والإعتزاز عندما تقترن بالتواضع وحسن الخلق لكنها لا تكفي وحدها لصناعة إنسانٍ عظيم.

والخلاصة أن الثقافة الحقيقية لا تُعلَّق على الجدران بل تسكن العقول وتظهر في التصرفات وما يخلده الناس في الذاكرة ليس عدد الشهادات التي حصلت عليها الإنسان بل مقدار الأثر الجميل الذي تركه في نفوس الآخرين والسلام ختام .

* كاتب رأي ومستشار أمني

حسن الصغير

مدير التحرير - منطقة الباحة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى