المقالات

في إيوان المودة حين تحدّث العلم بلسان الحكمة

بقلم – د . عبدالرحيم محمد الزهراني

افتتحت محاضرة معالي الدكتور بكري عساس في إيوان المودة نافذةً واسعةً على معنى الجامعة ورسالتها الحقيقية. وكانت الأمسية العلمية شاهدًا على أن المعرفة لا تُقاس بما يُختزن في الذاكرة فحسب بل بما تصنعه من وعي وما تتركه من أثر في العقول.

جاءت محاضرته الموسومة «رحلة الجامعات السعودية» يوم الثلاثاء 15 محرم 1448هـ،، متجاوزةً حدود التأريخ للمؤسسات الأكاديمية إلى قراءة عميقة لفلسفة التعليم ودوره في بناء الإنسان وصناعة الحضارة. ولم يكن المتحدث يروي الوقائع بقدر ما كان يعيد إحياء المعاني الكامنة خلفها مستندًا إلى تجربة طويلة ورؤية ناضجة جمعت بين الإدارة الجامعية والثقافة الواسعة والخبرة الإنسانية.

وأكثر ما لفت انتباهي أن التواضع كان يسبق علمه وأن الوقار كان يرافق كلماته. تحدث بلغة العالم الواثق الذي لا يحتاج إلى المبالغة ليقنع ولا إلى الاستعراض ليؤثر. وكانت ثقافته الموسوعية حاضرة في كل محور يستشهد بأبيات الإمام الشافعي وشوقي والمتنبي استشهاد العارف الذي يجعل الأدب شريكًا للفكر لا تابعًا له.

كما اتسعت رحلته لتشمل منجزات الحضارة العربية والإسلامية وإسهامات الحضارة الغربية مؤكدًا أن المعرفة ميراث إنساني تتكامل فيه الأمم وأن الحضارة لا تقوم إلا على عقل حر وتعليم راسخ. ثم ربط ذلك بالمنهج القرآني الذي جعل التفكر والتدبر والتعقل أساسًا لنهضة الإنسان فكانت رسالته أن العلم ليس ترفًا ثقافيًا بل هو جوهر الاستخلاف وأداة العمران.

ولعل أصدق وصف سمعته في تلك الأمسية ما قاله الدكتور علي بن يوسف حين وصف معاليه بأنه «جامعة في جامعة» وهي عبارة موجزة تختزل شخصية اجتمع فيها العلم والخبرة والثقافة والأدب وحسن الخلق.

خرجنا من إيوان المودة ونحن أكثر إيمانًا بأن العالم الحقيقي لا يورث الناس معلومات فحسب بل يوقظ فيهم شغف المعرفة ويغرس فيهم أن بناء الإنسان هو البداية الصادقة لكل حضارة باقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى