حقيقة هذه المرة الأولى التي أحضر فيها إحدي أمسيات إيوان المودة الثقافي بمحافظة الطائف ليلة الثلاثاء الماضي والالتقاء بمشرفه أ.د عائض بن محمد الزهراني ذو الخلق الرفيع، والتواضع الجم، والأعضاء الكرام من أقاربه ومحبيه، وماوجده الجميع من بالغ الترحيب، وحفاوة الاستقبال، ومن حسن الحظ أن يكون فارس الأمسية الثقافية في تلك اللية الباهية معالي الأستاذ الدكتور بكري بن معتوق عساس مدير جامعة أم القرى الأسبق في ندوة قيمة؛ لاستعراض شيق لمسيرة الجامعات السعودية في مراحلها المختلفة، والتعريف بالمهام والمسؤوليات التي أُنيطت بها؛ من أجل المساهمة في بناء المجتمع.
وقد أحسن القائمون على منتدى إيوان المودة باختيار مسمى هذه الندوة الثقافية الإثرائية تحت عنوان:”رحلة الجامعات السعودية”؛ لكون معاليه سبق وأن ترأس في فترة من الفترات الجامعة المكية العريقة جامعة أم القرى، وسط حضور نخب من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات يتقدمهم سعادة مدير جامعة الطائف الدكتور يوسف بن عبده عسيري، إضافة إلى تواجد أفاضل من مثقفين، ورجال أمن، وإعلاميين، ومن المهتمين بالشأن الثقافي. وبتواجد محاور مثقف تمثل في سعادة أ.د أحمد بن عيسى الهلالي في ندوة من أجمل الندوات حيث أبحر بنا المتحدث في مسيرة علمية ضافية، غير ما أبداه من مواقف طريفة، وقَفْشَات لطيفة أضافت المزيد من الأجواء السعيدة على الندوة.
ويُحسب للأستاذ الدكتور بكري عساس الاستعراض العلمي الجذاب والذي بدأه كمدخل منطقي من حيث استخدام الأشياء الضرورية في حياتنا وصولاً لتوضيح الجهود الكبيرة للجامعات، وماتقدمه للمجتمع من معارف، وعلوم، ومهارات، وأبحاث ابتكارية، وبراءات اختراع كانت بمثابة المصباح المضيء؛ لإنارة عقول الشباب وتبصيرهم. وهي بلا أدنى شك امتداد لجهود عظيمة عبر تراثنا الخالد لعلماء مسلمين أناروا الطريق في مجتمعاتهم الإسلامية، بل وتجاوزت تلك الإنجازات الحدود حتّى استفادت منها الأمم الأخرى بلا استثناء مستشهداً في ذلك بعبارة المستشرقة الألمانية: “زيغريد هونكة”حين قالت: “إن العالم الإسلامي يَدين له الغرب كما تدين له الإنسانية كافة بالشيء الكثير”.
فيما أكد مراراً وتكراراً في ندوته على الدور الهام الذي لعبته الجامعات منذ قرون مضت؛ كونها منارات للعلم، ومراكز لصناعة النخب العلمية والفكرية، مستدلاً بجامعات عالمية كأسفورد، وهارفار، وستانفورد، كمانوه بما وصل إليه العالم مؤخراً وفي أحدث اختراعاته عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهنا طرح سؤاله والذي يدور في أغلب أذهان المفكرين والأكاديميين مامستقبل الجامعة في عصر أصبحت المعرفة متاحة للجميع؟ وقد أوضح أيضاً من خلال ماذكره آخرون أن مشكلة الذكاء الاصطناعي ليست الوحيدة التى تواجه الجامعة، بل هناك العديد من المشاكل المرهقة وعلى سبيل المثال لا الحصر: ارتفاع التكاليف الدراسية، وتراجع الدعم الحكومي، وتضخم البيروقراطية الأكاديمية، وغيرها من المشكلات التي تعاني منها الجامعات ومازالت.
وتحدث ضيف الإيوان باختصار فيما يخص رحلة الجامعات السعودية بثلاث خطوات وهي: التلقين، والتكوين، والتمكين. فقد بدأت الجامعات التعليمية رحلتها التعليمية وسط ظروف صعبة لبيئة حديثة بالتعليم تفتقد قراها وهجرها لبيئات تعليمية حاضنة، فلذلك اقتضى الواقع وكخطوة أولى قيام الجامعات إلى تلقين الأجيال المعارف والعلوم حتّى تقضي على الجهل وتصعد بهم إلى نور العلم، وبعد أن أصبح العلم بنوره يضيء في كل مكان انتقلت الجامعة إلى التكوين كخطوة ثانية عبر المناهج الحديثة، والبرامج المتطورة إضافة إلى منح المهارات والقدرات لصقل الشخصية الوطنية. وحين أصبح وجود الكفاءات الوطنية ظاهرة بارزة في المجتمع اتجهت الجامعة إلى الخطوة الثالثة وهي التمكين وإتاحة الفرصة لهذه الكفاءات؛ لتتمكن من تقديم كل الخبرات والتجارب في أرض الوطن المعطاء؛ للمساهمة في البناء الشخصي والمجتمعي على حد سواء.
اقتباس:
مقولة معبرة في ثنايا مجريات هذه الندوة لأحد حكماء المسلمين القدماء يقول فيها:”نحن نحترم التعليم؛ لأنه يعلمنا الأخلاق”.






