عامالمقالات

وشهد شاهد من أهلها … حين تغيب العدالة عن المستطيل الأخضر

ليست كرة القدم مجرد أهداف تسجل، ولا نتيجة تعلن في نهاية التسعين دقيقة .. بل هي قبل ذلك وبعده ميدان للعدالة، ومسرح للنزاهة، واختبار حقيقي لثقة الجماهير في أن القانون واحد، والصافرة واحدة، والمعيار لا يتغير بتغير لون القميص أو اسم المنتخب.

وما تداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي عقب مباراة المنتخب المصري أمام المنتخب الأرجنتيني في دور الـ16 من كأس العالم 2026م لم يكن مجرد غضب جماهيري عابر، بل كان صرخة واسعة عنوانها: هل تطبق تقنية الفيديو بعدالة واحدة على الجميع؟

فقد انتشرت تغريدة منسوبة إلى أسطورة الكرة الإنجليزية آلان شيرار، جاء فيها أن الحكم عاد إلى تقنية الـVAR لإلغاء هدف مصر بسبب إعاقة في بداية اللعبة، بينما لم يعد للتقنية بالطريقة نفسها في هدف فوز الأرجنتين رغم وجود ما وصفه المتابعون بإعاقتين في بداية الهجمة. ولهذا علق النص المتداول بأن ما شاهده الناس لم يكن مباراة كرة قدم، بل “مسرحية”، مضيفًا بسخرية مؤلمة: إذا كان الفيفا يريد إهداء كأس العالم لميسي، فليمنحه اللقب من الآن، وليذهب لاعبو بقية المنتخبات إلى منازلهم.

ولم يتوقف الجدل عند ذلك، بل تداولت المنصات أيضًا تصريحًا منسوبًا إلى المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو، عبر فيه عن استغرابه من قرارات التحكيم، معتبرًا أن التقدم بهدفين لا يكفي أحيانًا، لأنك لا تواجه أحد عشر لاعبًا فقط، بل تواجه صافرة الحكم، وتقنية الفيديو، وما وصفه بـ“سيناريو البطولة”. وأشار النص المتداول إلى لقطات أثارت الغضب، من إيقاف انفراد لمحمد صلاح، إلى تدخل عنيف لم يعاقب، ثم عدم احتساب ركلة جزاء في الدقائق الأخيرة، قبل أن يأتي هدف الفوز الأرجنتيني في الدقيقة 93.

وسواء ثبتت صحة هذه التصريحات المنسوبة أو لم تثبت من مصادرها الرسمية، فإن دلالتها الأهم تكمن في حجم التفاعل معها، وفي شعور عام بأن ما جرى تجاوز حدود النتيجة إلى سؤال أكبر: أين العدالة حين يحتاجها الجميع؟ وأين اتساق تطبيق القانون حين تكون اللحظة فاصلة، والقرار قادرًا على تغيير مصير منتخب بأكمله؟

إن الجماهير قد تتقبل الهزيمة، لكنها لا تتقبل الإحساس بالظلم. قد تحزن على ضياع فرصة، لكنها تغضب حين تشعر أن الفرصة لم تُمنح أصلًا. فالخسارة في الملعب جزء من اللعبة، أما فقدان الثقة في عدالة اللعبة فهو هزيمة للرياضة نفسها.

تقنية الـVAR وجدت لتصحيح الأخطاء، لا لصناعة أخطاء جديدة. وجدت لتمنح الحكم عينًا إضافية، لا لتفتح بابًا للانتقائية. فإذا عادت اللقطة إلى الوراء لإلغاء هدف، فيجب أن تعود بالمعيار نفسه حين يكون القرار في الاتجاه الآخر. العدالة لا تجزأ، والقانون لا ينبغي أن يرتدي قميص منتخب دون آخر.

وهنا يتحول المشهد إلى ما هو أبعد من مباراة بين مصر والأرجنتين. يتحول إلى رسالة لكل مؤسسة رياضية: الشفافية ليست رفاهية، بل ضرورة. وتفسير القرارات المثيرة للجدل ليس تبريرًا، بل احترام لعقول الجماهير، وحفظ لهيبة اللعبة.

لقد خرجت مصر من المباراة مرفوعة الرأس إن صحّت تفاصيل ما تم تداوله، لأنها نافست بشجاعة، وقاتلت حتى اللحظة الأخيرة، وفرضت احترامها على العالم. أما كرة القدم، فهي التي تحتاج اليوم إلى أن تراجع نفسها؛ لأن أعظم ما تملكه هذه اللعبة ليس الكؤوس ولا النجوم، بل إيمان الناس بأن الفوز يُنتزع بالموهبة والجهد، لا بالشك والجدل.

وشهد شاهد من أهلها … أن كرة القدم لا تموت بالهزيمة، لكنها تضعف حين يشعر الناس أن العدالة غادرت الملعب قبل صافرة النهاية.

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهـر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى