يبقى الأثر الصادق أطول عمرًا من صاحبه، لأن الرجال لا تخلدهم المناصب، وإنما تخلدهم المواقف، ولا تحفظهم الذاكرة بأسمائهم فحسب، بل بما غرسوه في القلوب من محبة، وفي المجتمع من قيم، وفي الحياة من جميل الصنيع. فالقامات الحقيقية ليست من ارتفعت أسماؤها، وإنما من ارتفعت أخلاقها، حتى أصبحت سيرتها عنوانًا للوفاء، وأثرها شاهدًا على نبلها.
المجتمعات الأصيلة لا تُبنى بالحجارة وحدها، ولا تنهض بالأنظمة والمؤسسات فحسب، بل تقوم على رجال يحملون منظومة القيم في سلوكهم اليومي ويترجمونها إلى مواقف صادقة، ويجعلون من الكلمة الطيبة، والمروءة والوفاء، وحسن المعشر، ثقافةً راسخة تتوارثها الأجيال. فهؤلاء هم رأس المال الاجتماعي الحقيقي، وهم الذاكرة الحية التي تحفظ للمجتمع تماسكه وأصالته.
وفي مجتمع زهران الزاخر برجاله، تبرز قاماتٌ جعلت من خدمة الناس نهجًا، ومن المشاركة الاجتماعية رسالة، ومن الأخلاق الرفيعة عنوانًا دائمًا. ومن هذه القامات الأستاذ التربوي غرم الله بن عوض الحريري
الذي عرفه الناس بحسن الخلق، وصدق الوفاء، وكرم النفس، وطيب المعشر، فلا تكاد مناسبة تجمع الناس إلا وله فيها حضور يشيع الألفة، ويبعث المودة، ويؤكد أن الإنسان الكبير هو من يكبر في قلوب الناس قبل أن يكبر في أعينهم.
وفي مناسبات زهران عامة، وقرية محوية خاصة، أصبح حضوره جزءًا من جمال المناسبة، فإذا وقف متحدثًا، جاءت كلماته جزلة المبنى، سامية المعنى، أنيقة العبارة، قوية الإلقاء، تنفذ إلى القلوب قبل الآذان، لأنها تخرج من قلب صادق، وتحمل رسالة محبة ووفاء، فتترك في نفوس الحاضرين أثرًا يبقى طويلًا بعد انفضاض المجالس.
ويجاوره في هذا الحضور أخوه الإعلامي المرموق عبدالله أبو فرح، وله من اسمه نصيب وافر. فقد جمع بين رقي المهنة، وجمال الخلق، وحسن التواصل، حتى غدا نموذجًا للإعلامي الذي يدرك أن رسالته لا تقف عند نقل الخبر، بل تمتد إلى بناء الوعي، وتعزيز الروابط الإنسانية، وإبراز الصورة المشرقة للمجتمع. فبشاشته، وهدوءه، ورحابة صدره، وذائقته الرفيعة في الحوار، جعلت منه شخصية تحظى بالاحترام والتقدير أينما حل.
وحين تجتمع مثل هذه القامات في مناسبات المجتمع، فإنها تضفي عليها معنى يتجاوز حدود الاحتفاء، لتصبح مجالس عامرة بالمودة، ومنابر تتجدد فيها قيم الوفاء، وصلة الرحم، والتكافل، والاعتزاز بالهوية. فالمناسبات ليست لقاءات عابرة، وإنما محطات تتجلى فيها أخلاق الرجال، وتُعرف فيها معادنهم، ويُقاس فيها أثرهم في الناس.
إن الاحتفاء بهذه النماذج ليس احتفاءً بأشخاصهم وحدهم، بل احتفاء بمنظومة من القيم التي يمثلونها، وبالأخلاق التي يجسدونها، وبالسيرة الطيبة التي صنعوها عبر سنوات من العطاء، حتى أصبحوا جزءًا من ذاكرة المجتمع، ورمزًا للمروءة، وعنوانًا للوفاء، وقدوةً في حسن الخلق وجميل الأثر.
فالمجتمعات تبقى قوية ما دامت تحتفي بأهل الفضل، وتحفظ لأصحاب المعروف مكانتهم، وتورث أبناءها قصص الرجال الذين كتبوا أسماءهم في صفحات الحياة بأعمالهم، لا بأقلامهم، وبأثرهم، لا بألقابهم. وهؤلاء هم الذين يصنعون ذاكرة المجتمع، ويتركون للأجيال إرثًا من القيم لا يبهت مع الزمن، بل يزداد إشراقًا كلما تعاقبت السنين




