كتاب الرأي

الصراع من أجل العروش… حين يصبح المنصب غاية لا وسيلة

في كل منظمة يوجد نوعان من القادة؛ قائد يرى المنصب مسؤولية، وآخر يراه عرشًا يجب الدفاع عنه مهما كان الثمن.

وهنا يبدأ الصراع الحقيقي، ليس على تحقيق الإنجاز، بل على النفوذ، والسيطرة، وصناعة دوائر الولاء، وإقصاء من يُعتقد أنهم يشكلون تهديدًا للمكانة. ومع مرور الوقت، تتحول المنظمة من بيئة تصنع القيمة إلى ساحة تنافس على الكراسي.
إن أخطر ما يواجه المؤسسات ليس اختلاف وجهات النظر، بل عندما تصبح القرارات الإدارية مدفوعة بالخوف من فقدان المنصب، بدلاً من خدمة أهداف المنظمة. عندها قد تُهمّش الكفاءات، وتتراجع المبادرات، ويُكافأ الولاء أكثر من الأداء، ويصبح النجاح الفردي مصدر قلق بدلاً من أن يكون مصدر فخر.
ومن المثير للتأمل أن كثيرًا من هذه الممارسات لا تبدأ مع القائد الحالي، بل تنتقل عبر الأجيال الإدارية. فالقائد الذي تعلّم أن القيادة تعني الاحتفاظ بالنفوذ، قد يعيد إنتاج الأسلوب ذاته مع من يأتي بعده، وكأن المنظمات تعيد تدوير أنماط القيادة نفسها، رغم تطور المعرفة، ووفرة الدراسات، وتزايد برامج إعداد القادة.
في المقابل، القائد الواثق لا يخشى ظهور قادة جدد، بل يصنعهم. يدرك أن قيمة القيادة لا تُقاس بعدد المقاعد التي يحتفظ بها، بل بعدد الأشخاص الذين أصبحوا أكثر قدرة بفضله. فالمناصب مؤقتة، أما الأثر القيادي فيبقى.
واليوم، ومع دخول الذكاء الاصطناعي في دعم صناعة القرار، أصبحت البيانات أكثر قدرة على كشف مكامن القوة والضعف، لكنها لن تستطيع معالجة صراع النفوس أو بناء ثقافة الثقة. فهذه مسؤولية الإنسان قبل التقنية.
إن المؤسسات التي تنجح في المستقبل ليست تلك التي تحمي العروش، بل التي تبني منظومة تجعل الكفاءة هي الطريق إلى القيادة، وتجعل تداول المسؤولية علامة على النضج المؤسسي لا تهديدًا للاستقرار.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل قائد على نفسه: هل أبني مؤسسة تستطيع الاستمرار بعد رحيلي، أم أبني عرشًا ينهار بمجرد مغادرتي؟

د. صباح عسيري

باحثة دكتوراة في أساليب القيادة نحو أثر مستدام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى