كتاب الرأي

غراب الصحافة

تقول الحكاية إن غرابًا أعجبته مشية الحمامة، فحاول تقليدها، لكنه لم يُحسنها، ولما أراد العودة إلى مشيته الأولى، اكتشف أنه أضاع الاثنتين.

وهكذا يحدث أحيانًا في الصحافة. يبدأ أحدهم كاتبًا، ثم ينتقل إلى إدارة الحوارات، ليس لأنه أتقن أدواتها، بقدر ما وجد فجوة في جدار المهنية، صنعتها بيئة تحريرية ضعفت فيها المعايير، وغاب عنها رؤساء الأقسام القادرون على الفرز والتقويم.

يدخل التجربة بلا سؤال ناضج، ولا موضوع واضح، ولا قدرة على إدارة الحديث، فيخرج القارئ من الحوار كما دخل، وربما خرج المحاور نفسه دون أن يعرف ماذا أراد.

الانتقال من كتابة المقال إلى إدارة الحوار ليس تغييرًا في الاسم، ولا صورة جديدة في واجهة النشر. لكن لكل فن أدواته، وقد ينجح الكاتب في عرض رأيه، لكنه يفشل في استنطاق ضيفه. والمشكلة تبدأ عندما يظن أحدهم أن سنواته في الصحافة تمنحه النجاح في كل فنونها.

ابتُليت الصحافة عبر تاريخها ببعض الدخلاء عليها، ممن أمضوا فيها عقودًا دون أن يكتسبوا روحها أو يلتزموا بأخلاقياتها. فطول البقاء في المهنة لا يصنع صحفيًا، ولا يمنح صاحبها قيمة، ما لم يكن قلمه صادقًا، وخطابه مهنيًا، وموقفه شجاعًا.

الصحفي الحقيقي يا هذا لا يستقوي بالمسؤول على زملائه، ولا يحوّل علاقاته إلى وسيلة لتصفية الحسابات مع كل من يختلف معه. فهو يستمد حضوره من قدرته على نقل الحقيقة، واحترام الرأي الآخر، والدفاع عن حق المجتمع في إعلام حر ومسؤول، لا من قربه من أصحاب القرار.

ومن المؤسف أن يتخذ بعض المحسوبين على الصحافة من التحريض منهجًا، ومن استعداء المسؤولين على زملائهم وسيلة لتعويض حضور تراجع أثره في الوسط الإعلامي. فمن يعجز عن مواجهة الرأي بالحجة، ويلجأ إلى الوشاية والتخويف والمطالبة بإسكات الأصوات المخالفة، يكشف ضعف موقفه وعجز أدواته.

أما الحوارات التي تُقدَّم بلا هدف واضح، ولا تمنح القارئ معلومة أو فكرة تستحق التوقف، فلا تصبح عملًا صحفيًا لمجرد نشرها. فنجاح الحوار يا هذا يقوم على وضوح موضوعه، وعمق أسئلته، وحسن إدارته، وقدرة المحاور على استخراج ما يهم القارئ.

والمقال الصحفي أيضًا لا تقوم قيمته على التلميح والغمز، ولا على إطلاق الاتهامات دون تسمية الوقائع أو تقديم الأدلة. من يملك قضية حقيقية فليعرضها بوضوح، ومن يملك دليلًا فليقدمه. أما مخاطبة أشخاص مجهولين وإطلاق عبارات فضفاضة، فليست شجاعة صحفية، بل هروب من مسؤولية الكلمة.

كما أن حرية الرأي لا تعني الإساءة، لكنها لا تعني الصمت أمام من يسعى إلى تكميم الأفواه. ومن يطالب بحقه في النقد، فعليه أن يتحمل النقد، ومن يضع نفسه في المجال العام، فعليه أن يقبل بتقييم إنتاجه وممارساته، دون أن يستنجد بالنفوذ كلما خالفه أحد.

الصحفي الحقيقي تصنعه المصداقية والمهنية والموضوعية، والشجاعة في قول ما يستطيع إثباته وتحمل مسؤوليته. أما من يتآكل حضوره، فلا يعيده إلى المشهد التحريض على الآخرين.

اختلاف الزملاء معك ليس مبررًا لإسكاتك، واختلافك معهم ليس تفويضًا لك للتحريض عليهم. وبين الزملاء وبينك المهنة، وما يُنشر، وما يمكن إثباته أمام القارئ.

أما الهروب من المواجهة، فهو حيلة «الغراب» المعهودة؛ ينعق ما دامت الساحة خالية، فإذا حضر الرد ضاقت به الحجة وفرّ من المواجهة..

لقد تطورت أدوات الصحافة والإعلام، وتغيرت لغة الخطاب وأساليب التأثير، لكن الغراب بقي أسير النهج نفسه: تلميح بلا شجاعة، وتحريض بلا دليل، وانسحاب كلما حان وقت المواجهة.

وهكذا انتهى غراب الصحافة؛ دخل الحوارات طامعًا في مشية الحمامة، فعاد بلا مشية، وبلا مقال، وبلا حضور. لم يبقَ منه سوى نعيق كثير وصدى لا يصنع صحفيًا؛ فكفَّ عن كثرة النعيق وإزعاج الآخرين.

عبدالله أحمد الزهراني

عبدالله أحمد الزهراني، رئيس تحرير صحيفة مكة الإلكترونية، حاصل على درجة الماجستير في الاتصال والإعلام الرقمي من جامعة الملك عبدالعزيز، ويُعد من أبرز كتّاب الرأي في الإعلام السعودي المعاصر. يجمع في أسلوبه بين التحليل السياسي العميق والطرح الساخر الواعي، حيث يقدّم مقالات تتناول قضايا الوعي الوطني، والتحولات الإعلامية، والصراعات الدولية، ضمن رؤية فكرية تعكس فهمًا استراتيجيًا لمفهوم “حروب الوعي” وصناعة التأثير في العصر الرقمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى