الثقافية

عبدالله الزهراني.. رحل كاتب العدل وبقيت مؤلفاته تحفظ ذاكرة القضاء السعودي

لم يكتب الشيخ عبدالله بن محمد بن عايض الزهراني عن القضاء من خارج أبوابه. عاش جزءًا من منظومته كاتبَ عدل في الطائف، ثم حمل خبرته وشغفه بالتوثيق إلى مشروع علمي واسع، كان من أبرز ثماره «موسوعة تاريخ القضاء والقضاة في العهد السعودي».

كان الشيخ عبدالله يدرك أن المكتبة السعودية لم تكن خالية من الكتابات عن القضاء. أشار في مدخل موسوعته إلى كثرة البحوث الأكاديمية والدراسات والكتب والمقالات التي تناولت نظام القضاء في العهد السعودي، وعدّ ذلك ظاهرة تستحق التقدير لما تكشفه من اهتمام بهذا الموضوع الحيوي.

لكنه رأى أن كثيرًا مما كتب اتجه إلى جمع التعليمات والتعاميم، أو تناول موضوعات تتصل بكتاب العدل وبيوت المال وكتاب الضبط والمحاكم الإدارية وطرق المرافعة واللوائح.

ومن هنا اختار لنفسه طريقًا مختلفًا.
كتب بوضوح أن نيته قائمة على «وضع تاريخ للقضاة والقضاء وبيان تواريخ التجديد في كل فترة من الفترات».

هذه العبارة تختصر مشروعه كله.
لم يكن يريد أن يعيد شرح الأحكام الشرعية التي تناولها الفقهاء والعلماء من قبله، ولم يكن يريد جمع اللوائح والتعاميم أو تقديم دليل إجرائي للقضاء، بل أراد أن يكتب ذاكرة المؤسسة القضائية السعودية، ويرصد رجالها ومراحلها وتطورها عبر الزمن.

ويقول في موضع آخر إن بحثه دراسة لتاريخ القضاء في فترة زمنية محددة ومكان محدد، جمعا في نظره شرف الزمان والمكان، فزمان الدراسة هو العهد السعودي، ومكانها المملكة العربية السعودية التي تضم مكة المكرمة قبلة المسلمين.

ثم انتقل من المكان إلى التاريخ، فتتبع المراحل التي مر بها القضاء السعودي منذ قيام الدولة وتوحيد البلاد تحت راية واحدة، ورصد انتقاله من مرحلة إلى أخرى مع تطور مؤسسات الدولة.

وتظهر في صفحات الموسوعة رؤية مبكرة تجاه فكرة التطوير القضائي. كتب أن الإنسان بطبعه يحب التجديد ويطمح إليه، وأن معرفة الخطأ طريق إلى الصواب، ثم أشار إلى أن القضاء السعودي مر بفترات شهدت تعديلات في رواتب القضاة والهيكل التنظيمي، وأن التجديد ظل قائمًا استجابة لما تفرضه النهضة الحضارية والظروف المتغيرة.

وهذه الفكرة تمنح الموسوعة بعدًا يتجاوز التوثيق التاريخي.

فالشيخ عبدالله لم ينظر إلى القضاء باعتباره نظامًا جامدًا، بل مؤسسة وطنية تتطور مع الدولة وتستجيب للتحولات الاجتماعية والإدارية والتنظيمية.

وتتبع في موسوعته تطور القضاء عبر العهد السعودي، وأشار إلى ما شهده من إصلاح وتنظيم في مراحل متعددة، مسجلًا جانبًا من تاريخ بناء المؤسسة القضائية وتطور مكانتها.

وتزداد قيمة المشروع لأنه لم يقتصر على سرد الأنظمة أو جمع أسماء القضاة، بل حاول أن يربط بين الرجل والمكان والمرحلة والقرار، وأن يجعل من القضاء جزءًا من التاريخ العام للدولة السعودية.

وقال شقيق المؤلف الدكتور عايض محمد الزهراني، إن عددًا كبيرًا من مؤلفات الشيخ أُعيد نشره في صورة إلكترونية، بهدف المحافظة على هذا الإرث العلمي المتنوع وإتاحة محتواه بصورة أوسع، مؤكدًا أن مشروع إحياء هذه الكتب يمثل جانبًا مهمًا من حفظ الذاكرة العلمية والثقافية.

وأوضح أن «موسوعة تاريخ القضاء والقضاة في العهد السعودي» تأتي في مقدمة هذه الأعمال، لما تحتويه من مادة تاريخية ووثائقية واسعة ترصد مسيرة القضاء وأعلامه ومراحله، وتمنح الباحثين في التاريخ القضائي والوطني مصدرًا غنيًا للرجوع إليه.

ولا تقف تجربة الشيخ عبدالله الزهراني عند القضاء وحده.
يكشف رصد مؤلفاته عن تنوع علمي لافت امتد إلى الشريعة والفقه والعقيدة والتاريخ والأنساب والأدب والتراث والتحقيق. ومن أعماله «جريمة الزنا بين الشريعة والقانون»، و«كفاية المستقنع في أدلة الفقه»، و«دراسات وأسئلة حول العقيدة الطحاوية» في مجلدين، إلى جانب «سلسلة مباحث أصولية»، وكتاب في أحكام الوقف وبعض قضايا الأوقاف المعاصرة.

وفي التاريخ والأنساب برز كتاب «عقود الجمان في أمثال قبائل زهران»، إلى جانب بحوث ودراسات تاريخية وأدبية تناولت شخصيات وموضوعات من التاريخ الإسلامي والتراث العربي.

وامتد اهتمامه إلى الأدب والتراث والتحقيق، فاشتغل على جمع وتصنيف مواد تراثية في الأجوبة والأمثال والقصص، وحقق ودرس عددًا من الكتب، ومن بينها عمل يتناول «ألف ليلة وليلة» في ستة مجلدات.

هذا التنوع يكشف أن الشيخ عبدالله لم يكن صاحب تخصص ضيق أو مشروع واحد. كان لديه فضول علمي واسع، تنقل به بين القضاء والفقه والعقيدة والتاريخ والأنساب والأدب والتراث، وترك خلفه مكتبة تعكس اتساع اهتمامه وامتداد تجربته.

واليوم يكتسب مشروع إعادة نشر هذه المؤلفات إلكترونيًا أهمية إضافية، لأنه ينقلها من رفوف المكتبات والنسخ الورقية إلى فضاء معرفي أوسع، ويمنح الباحث والقارئ فرصة الوصول إليها والإفادة منها.

هكذا تتغير صورة القصة.

لم تعد الحكاية عن موسوعة قضائية فقط، بل عن رجل ترك خلفه مشروعًا علميًا متعدد المسارات، وعن أسرة تسعى إلى إبقاء هذا المشروع حاضرًا ومتاحًا للأجيال.

رحل الشيخ عبدالله بن محمد بن عايض الزهراني، وبقيت كتبه.
غاب صاحبها، وبقي أثره موزعًا بين القضاء والشريعة والتاريخ والتراث.

فالرجال يرحلون، لكن ما يودعونه في صفحات العلم يظل شاهدًا على حضورهم، وذاكرة تحفظ أسماءهم للأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى