المقالات

حين يتحول الاختلاف إلى اتهام..

حين نعجز عن تفنيد الفكرة، قد يكون أسهل علينا أن نهاجم صاحبها؛ ومن هنا يبدأ الاختلاف في التحول من حوار إلى اتهام.

في كل حوار فكري، هناك من يناقش الفكرة، وهناك من يبدأ أولاً بتصنيف صاحبها. فإذا خالفته في الرأي، سارع إلى البحث عن خانة يضعك فيها: مؤدلج، ليبرالي، متأسلم، رجعي، أو تابع لتيار ما. وكأن صحة الفكرة لا تُقاس بالحجة والدليل، وإنما بالهوية الفكرية التي يُلصقها بك الطرف الآخر. هذا النمط من الشخصيات لا يحتاج إلى تفنيد ما تقول؛ يكفي أن يضعك في التصنيف الذي يناسبه، ثم يصبح رفض رأيك أسهل من مناقشته. وهنا تنتقل ساحة الحوار من سؤال: هل ما تقوله صحيح؟ إلى سؤال آخر: من أنت؟ وإلى أي تيار تنتمي؟ والتصنيف، في كثير من الأحيان، أكثر راحة وأسهل من التفكير؛ فهو يعفي صاحبه من عناء الاستماع والتحليل، ويمنحه شعوراً بالتفوق على المخالف. فإذا اتفق معه شخص، كان «موضوعياً وواقعياً»، وإذا اختلف معه، أصبح «مؤدلجاً» أو «مخدوعاً» أو «تابعاً» لجهة أو تيار.

والأخطر أن بعض من يمارسون هذا السلوك يمنحون أنفسهم حق تعريف الآخرين، بينما يرفضون أن يسمح أحد للآخرين بتعريفهم. يتحدثون عن الحوار والانفتاح، لكنهم يغلقون باب الحوار بمجرد أن يسمعوا رأياً لا ينسجم مع قناعاتهم. وهنا يقع الخلط بين نقد الفكرة والحكم على صاحبها. فحتى لو كان انتماء شخص ما إلى تيار فكري ثابتاً ومعلناً، فإن ذلك لا يجعل كل ما يقوله خطأ، كما أن انتماء شخص إلى تيار نؤيده لا يجعل كل ما يقوله صحيحاً. الفكرة تُختبر بالدليل، لا باسم قائلها. ومن علامات النضج الفكري أن يستطيع الإنسان أن يقول: »أختلف معك، لكنني أفهم حجتك«، وأن يرد على الفكرة دون الحاجة إلى التقليل من صاحبها أو النيل من شخصه. فالحوار الحقيقي لا يقوم على إسكات المخالف، وإنما على اختبار الأفكار في مساحة تسمح لها بأن تُناقش وتُراجع وتُصحح.

ولعل الإنصاف يقتضي أن نعترف بأن أحداً منا ليس في معزل عن الوقوع في هذا السلوك. أنا وأنت والآخرون جميعاً قد نجد أنفسنا، في لحظة انفعال أو اختلاف، نميل إلى تصنيف من أمامنا أو اختزاله في صفة أو تيار. وهذا سلوك بشري قد يحدث بصورة عابرة، ثم نراجعه ونصححه. لكن المشكلة تبدأ حين لا يعود التصنيف زلة عابرة، وإنما يتحول إلى سلوك متأصل، وأداة ثابتة، وربما إلى السلاح الأقوى في النقاش؛ فمع أول اختلاف تُطلق «رصاصة الاتهام» بدل أن تُقدَّم الحجة، ويصبح المخالف مطالباً بتبرئة نفسه من التصنيف قبل أن يُسمح لفكرته بأن تُسمع.

وربما تكمن جذور هذا السلوك في وهم أعمق: أن ما نراه نحن هو الواقع كما هو، وأن من يراه بصورة مختلفة لا بد أن يكون جاهلاً أو منحازاً أو واقعاً تحت تأثير أيديولوجيا ما. وهنا يتحول الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى صراع بين من يعتقد أنه يرى الحقيقة، ومن يعتقد أن الآخر لا يراها.

والنضج الفكري لا يعني ألا نقع في هذا الفخ مطلقاً؛ فنحن بشر، وقد تقودنا الانفعالات والأحكام المسبقة في لحظة من اللحظات. لكنه يعني أن نمتلك الشجاعة لمراجعة أنفسنا، وأن ندرك أن الحكم السريع على الآخرين قد يكون أحياناً انعكاساً لطريقة تفكيرنا أكثر مما هو كشف لحقيقة من أمامنا. فأخطر ما في بعض الحوارات ليس أن يختلف الناس في رؤيتهم للواقع، وإنما أن يعتقد أحدهم أن رؤيته هي الواقع نفسه، وأن كل من يختلف معه لا يحتاج إلى حجة تُناقش، بل إلى تصنيف يُطلق عليه. فالمشكلة ليست دائماً في اختلافنا مع الآخرين، بل في الطريقة التي نرى بها أنفسنا وننظر بها إليهم.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى