لم يعد السؤال العربي: ماذا سنزرع غداً؟ بل أصبح أكثر قسوة: هل سيكون لدينا ما يكفي من الماء لنزرع أصلاً؟
قد يبدو السؤال مبالغاً فيه، لكن الأرقام والمشاهد القادمة من أكثر من مكان في العالم تقول إن زمن الاطمئنان إلى وفرة المياه والغذاء قد انتهى. فالعالم العربي يقف في واحدة من أكثر مناطق العالم تعرضاً لشح المياه، والبنك الدولي يحذر من أن نصيب الفرد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد يهبط دون عتبة الندرة المائية المطلقة، البالغة 500 متر مكعب سنوياً، بحلول نهاية هذا العقد.
وفي السودان، يكتسب المشهد بعداً أكثر حساسية. انحسار مناسيب النيل الرئيس والنيل الأزرق يفتح سؤالاً لا يحتمل الإجابات السريعة: هل نحن أمام أثر مباشر لتغيرات تشغيل السدود، أم أمام حلقة في سلسلة مناخية ومائية أكبر؟ ربما يكون الخطأ أن نبحث عن متهم واحد، بينما تتغير قواعد اللعبة المناخية على مستوى الكوكب كله.
المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تؤكد أن ظاهرة “النينيو” تتجه خلال أغسطس إلى أكتوبر 2026 نحو حالة قوية، مع توقعات بارتفاع شذوذ حرارة سطح البحر إلى نحو 2.9 درجة مئوية، بالتزامن مع مؤشرات على تطور إيجابي لظاهرة ثنائي القطب في المحيط الهندي. وهذه الظواهر لا تعني نتيجة واحدة للعالم، لكنها تعني شيئاً مؤكداً: مزيداً من اضطراب أنماط المطر والحرارة والجفاف في مناطق مختلفة.
وهنا تكمن المشكلة العربية الحقيقية.
نحن لا نواجه عطشاً فقط، بل نواجه عطشاً وسلالاً فارغة في الوقت نفسه.
حين تقل المياه، تتراجع الزراعة. وحين تتراجع الزراعة، يرتفع الاعتماد على الاستيراد. وحين يصبح الغذاء مستورداً، يصبح الأمن الغذائي مرتبطاً بالأسواق العالمية، وأسعار الطاقة، والحروب، والممرات البحرية، والسياسة الدولية.
وتزداد الصورة قتامة مع ارتفاع الحرارة. فالهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ تؤكد أن موجات الحر الشديد في آسيا أصبحت أكثر تواتراً، وأن ارتفاع الحرارة يزيد مخاطر الجفاف في المناطق الجافة وشبه الجافة، ومنها غرب ووسط وجنوب آسيا.
لذلك، فإن معركة الماء ليست معركة وزارات الري وحدها، كما أن معركة الغذاء ليست شأن وزارات الزراعة وحدها. نحن أمام قضية أمن قومي عربي.
المطلوب ليس المزيد من البيانات والقمم والبيانات الختامية، بل مشروع عربي يربط المال بالأرض، والتقنية بالماء، والبحث العلمي بالزراعة. لماذا لا تتحول الأراضي الزراعية العربية إلى منظومة إنتاج متكاملة، تمولها رؤوس الأموال العربية، وتدار بالتقنيات الحديثة، وتنتج غذاءً عربياً للسوق العربي؟
لماذا لا يصبح الري الذكي، وإعادة استخدام المياه، والتحلية بالطاقة الشمسية، واستنباط البذور المقاومة للجفاف والملوحة، أولويات استراتيجية لا مشاريع هامشية؟
النيل قد ينحسر، والفرات قد يتراجع، ودجلة قد يضيق مجراه، لكن الخطر الأكبر أن تبقى العقلية العربية كما هي.
فالماء الذي نهدره اليوم قد يكون هو نفسه الماء الذي نبحث عنه غداً.
والسلة التي نملؤها بإرادتنا، أفضل كثيراً من السلة التي ننتظر الآخرين كي يملؤوها لنا.
فمن يملك ماءه وغذاءه، يملك قراره.





