كتاب الرأي

حين لم يكن الرسوب ضعفًا في الطالب… بل غيابًا لمكان يدرس فيه

خلال فترة عملي في إحدى مدارس المرحلة المتوسطة، مرّت بي حالة لطالب ما زالت عالقة في ذاكرتي؛ لأنها علمتني أن وراء بعض حالات الرسوب قصة لا تظهر في كشف الدرجات، وأن الطالب المتعثر دراسيًا قد لا يحتاج إلى مزيد من اللوم بقدر ما يحتاج إلى من يسأله: لماذا لم تستطع أن تنجح؟

كان الطالب في الصف الثاني المتوسط، وقد رسب سنتين متتاليتين، وكان تعثره كبيرًا؛ إذ رسب في اثنتي عشرة مادة. والأرقام وحدها كانت كفيلة بأن تجعل البعض يصفه بالمهمل أو غير المهتم بالدراسة، لكنني فضلت أن أجلس معه وأستمع إليه قبل إصدار أي حكم.

سألته عن سبب رسوبه، فبدأ يروي لي ظروفه الأسرية واليومية. كان والده متوفى، وهو وحيد والدته، وكانت والدته شديدة الخوف عليه، خصوصًا من الاختلاط ببعض أبناء الحي والتأثر برفاق قد يقودونه إلى سلوك لا ترضاه. ومع غياب الأب وعدم وجود رجل في المنزل يتابعه، رأت أن الحل الأفضل أن يقضي جزءًا كبيرًا من يومه مع خاله.

كانت الأم تريد لابنها الخير، وكانت ترى أن وجوده مع خاله وفي مجلس الرجال سيعلمه الرجولة وتحمل المسؤولية ويحميه من رفقاء السوء. لذلك كان الطالب، بعد عودته من المدرسة وتناوله الغداء، يذهب مع خاله إلى المزرعة، ويبقى هناك حتى قرابة الساعة العاشرة ليلًا.

وفي المزرعة كان يساعد خاله، ويشارك في بعض الأعمال، ويقوم على خدمة الضيوف، ويجلس في مجلس الرجال، يستمع إلى أحاديثهم ويستفيد من تجاربهم وخبراتهم. وكل ذلك يحمل جوانب تربوية واجتماعية إيجابية، لكن المشكلة كانت في شيء بسيط لم ينتبه إليه أحد:

متى يدرس هذا الطالب؟ وأين؟

كان يحمل حقيبته المدرسية معه إلى المزرعة كل يوم، وكأن لديه رغبة في الدراسة، لكنه لم يكن يجد مكانًا مناسبًا يفتح فيه كتبه ويؤدي واجباته ويراجع دروسه. يعود في العاشرة ليلًا منهكًا، ثم ينام ليستيقظ للمدرسة في اليوم التالي، وتتكرر الدائرة نفسها.

هنا أدركت أن المشكلة لم تكن في قدرات الطالب وحدها، ولم تكن في عدم رغبته في النجاح، بل في تنظيم بيئته الاجتماعية بطريقة لم تترك للدراسة مكانًا حقيقيًا في يومه.

طلبت منه أن أقابل خاله، وتمت المقابلة. تحدثت معه عن وضع ابن أخته، ولم أطلب منه أن يمنعه من الحضور إلى المزرعة أو أن يحرمه من مجالسة الرجال؛ لأن ذلك كان يحقق هدفًا مهمًا بالنسبة للأم، وإنما بحثنا عن حل يجمع بين رغبة الأم ومصلحة الطالب التعليمية.

سألت خاله: هل يوجد في المزرعة مكان يمكن تخصيصه لابن أختك حتى يدرس فيه؟

فأخبرني بوجود غرفة تُستخدم مخزنًا، وأنه يستطيع إفراغها وتجهيزها له.

وبالفعل، تم إفراغ الغرفة وتهيئتها لتكون مكانًا يستطيع الطالب أن يجلس فيه بهدوء ويفتح كتبه ويذاكر دروسه. واستمر الطالب في الذهاب إلى المزرعة كما ترغب والدته، وبقي قريبًا من خاله، يساعده ويجلس مع الرجال، لكنه أصبح يملك شيئًا كان مفقودًا طوال الوقت: مكانًا ووقتًا للدراسة.

والنتيجة؟

نجح الطالب في تلك السنة.

لكن القصة لم تنتهِ عند إعلان النتيجة.

مع بداية السنة الدراسية الجديدة، دخلت أحد الفصول، فإذا بذلك الطالب أمامي، ولكن هذه المرة في الصف الثالث المتوسط. التقت عيني بعينه، فابتسم في وجهي، ثم قام من مقعده واتجه نحوي، وقبّل رأسي.

كان موقفًا مؤثرًا بالنسبة لي، ليس لأن الطالب قبّل رأسي، وإنما لأنني رأيت أمامي إنسانًا مختلفًا عن ذلك الطالب الذي كنت أشاهده في العام السابق.

فخلال السنة الماضية كنت أراه في المدرسة حزينًا، منعزلًا، قليل الابتسام. وكان رسوبه سنتين متتاليتين قد جعله أكبر سنًا من كثير من زملائه في الفصل؛ ظهرت عليه علامات الرجولة وبدأ شاربه يظهر، بينما كان زملاؤه أصغر منه سنًا. وكان هذا الفارق واضحًا، وأحسب أنه كان يزيد شعوره بالحرج والعزلة بين زملائه.

أما في ذلك اليوم، فقد رأيته مبتسمًا.

وهنا أدركت أن النجاح لم ينقله فقط من الصف الثاني إلى الصف الثالث المتوسط، بل أعاد إليه شيئًا ربما كان أهم من الدرجة والشهادة: ثقته بنفسه وشعوره بأنه قادر على النجاح.

تلك الابتسامة كانت بالنسبة لي نتيجة لا تقل أهمية عن نجاحه الدراسي. فالرسوب المتكرر لا يبقى مجرد رقم في السجل الأكاديمي، بل قد يتحول مع الوقت إلى شعور بالفشل والدونية والاختلاف عن الآخرين، خصوصًا عندما يجد الطالب نفسه أكبر سنًا من زملائه، فينسحب اجتماعيًا ويفقد ثقته بنفسه.

هذه القصة بالنسبة لي ليست مجرد ذكرى لطالب نجح بعد رسوب، بل نموذج واضح لأهمية الدور الاجتماعي في المدرسة. فلو اكتفينا بالنظر إلى درجاته، لربما قلنا: طالب مهمل، ضعيف التحصيل، كثير الرسوب. لكن الحوار معه كشف أن وراء الرسوب ظروفًا أسرية واجتماعية وتنظيمية كان من الممكن التعامل معها بحل بسيط.

وهنا تظهر قيمة الأخصائي الاجتماعي في المدرسة؛ فهو لا يحل محل المعلم، ولا يكتفي بمتابعة الغياب والتأخر والمشكلات السلوكية، وإنما يبحث عما وراء المشكلة، ويتواصل مع الأسرة، ويفهم البيئة التي يعيش فيها الطالب، ثم يحاول إيجاد حلول واقعية تراعي احتياجات جميع الأطراف.

الأجمل في هذه الحالة أننا لم نطلب من الأم التخلي عن خوفها على ابنها، ولم نطلب من الخال تغيير نمط حياته، ولم نحرم الطالب من البيئة الاجتماعية التي أرادتها أسرته له. كل ما فعلناه أننا أعدنا ترتيب البيئة المحيطة به حتى أصبح فيها مكان للتعليم إلى جانب التربية الاجتماعية.

وهذا درس ينبغي أن نتذكره في مدارسنا: ليس كل طالب راسب طالبًا فاشلًا، وليس كل ضعف دراسي سببه ضعف القدرة أو الإهمال.

أحيانًا تكون المشكلة في غرفة غير موجودة، أو وقت لم يُخصص، أو أسرة لم تنتبه، أو ظرف اجتماعي لم يسأل عنه أحد.

وأحيانًا لا تكون أعظم نتيجة للتدخل المهني أن ترى كلمة «ناجح» في سجل الطالب، بل أن تراه في العام التالي يدخل صفه الجديد مرفوع الرأس، وتعود الابتسامة التي غابت طويلًا إلى وجهه.

ولهذا، قبل أن نسأل الطالب: لماذا رسبت؟ بنبرة لوم، لنسأله بنبرة فهم واهتمام:

ما الذي منعك من أن تنجح؟

فقد يكون وراء الإجابة حل بسيط يغيّر مساره الدراسي، ويعيد إليه ثقته بنفسه، ويحوّل طالبًا حزينًا منعزلًا إلى شاب يبتسم من جديد.

د. عبدالرحمن حسن جان

دكتوراه في علم الاجتماع، وباحث في القضايا الأسرية والاجتماعية، مهتم بدراسة التحولات الاجتماعية وتعزيز الوعي الأسري والاستقرار النفسي والاجتماعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى