المقالات

راشد الراجح كريم السجايا ورجل العلم والإدارة – 1356-1448هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله القائل {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد القائل: «الكَيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله». والحمد لله على قضاء الله وقدره، في الثاني والعشرين من شهر صفر عام 1448فقدت الأمة عامة والأوساط العلمية والمجتمع المكي، وأهالي تربة خاصة عالماً جليلا، وإدارياً محنكا وأديباً بارعا، ومضيافاً كريما، ورجلاً أسهم في خدمة بلاده عامة، وفي جماعته ومحافظته خاصة؛ ذلكم هو معالي الشيخ الأستاذ الدكتور/ راشد بن راجح بن محمد بن سلطان الشريف، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الله الفردوس الأعلى من الجنة.
حُكمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جاري … مــــــــــــــــــــا هَذِهِ الدُنيا بِدار قَرار
بَينا تَرى الإِنسان فيها مُخبِراً … حَتّى يُرى خَبَراً مِنَ الأَخبارِ
طُبِعَت عَلى كدرٍ وَأَنتَ تُريدُها…صَفواً مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ
وَمُكَلِّف الأَيامِ ضِدَّ طِباعِها … مُتَطَّلِب في الماءِ جَذوة نارِ
ومع أني لن أستطيع أن أوفيه حقه في هذه الكلمة المختصرة، إلا أن محبتي له، وعلاقتي الحميمة بمعاليه، ومعرفتي بجوانب من حياته، كل ذلك دفعني للكتابة عنه، رحمه الله.
عاش راشد يتيماً إذ توفي والده قبل أن يبلغ العاشرة من عمره، وتربى في كنف والدته رحمها الله.
درس أربع سنوات من المرحلة الابتدائية بمدرسة العلاوة بتربة، وذهب به بعض أقربائه إلى الطائف، وطلبوا من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر توظيفه عضوًا، فلم يتحقق طلبهم، وعند انصرافهم من مقر الهيئة رأى راشد طلاب المدرسة العزيزية بالطائف وهم منصرفون من الدراسة، فقال لجماعته: أنا سأدرس مع هؤلاء الطلاب، فدرس الباقي من المرحلة الابتدائية بالمدرسة المذكورة ، ثم التحق بدار التوحيد بالطائف، وقد تألق نجمه مبكرًا؛ إذ حفظ القرآن الكريم، وتولى إمامة وخطابة مسجد الهادي بالطائف، وهو ثاني أكبر مسجد في الطائف بعد مسجد العباس ، وظهرت قريحته الشعرية والخطابية في الحفلات الأدبية، التي تقيمها دار التوحيد ، ولكنه توقف عن نظم الشعر، وكأني به يتمثل قول الإمام الشافعي رحمه الله:
ولولا الشعر بالعلماء يزري … لكنت اليوم أشعر من لبيد
التحق بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في مكة المكرمة، ونهل من معينها الصافي كثيراً من العلوم الشرعية، واللغة العربية بفروعها المختلفة، لكنه لم يكتف بما يحصله من علوم في هذه الكلية؛ إذ كان يتردد على مجالس العلماء في الحرم الشريف وفي منازلهم، أذكر منهم فضيلة الشيخ صالح بن عثيمين، عضو المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، الذي كان مقيماً في مكة المكرمة، وهو غير الشيخ محمد بن صالح العثيمين؛ إذ درس عليه التفسير.
وبعد تخرجه من كلية الشريعة بمكة المكرمة بتقدير ممتاز وترتيبه الأول على دفعته ابتعث إلى بريطانيا لإكمال دراساته العليا، وعندما أجريت له المقابلة الشخصية لمرحلة الماجستير في جامعة كمبريدج بهرت اللجنة بقدراته العلمية ومواهبه الشخصية، فقررت اللجنة قبوله في مرحلة الدكتوراه مباشرة بدون الحصول على الماجستير. وكان راشد متديناً ومتمكناً في العلوم الشرعية ومحب لها، لكنه أبى أن يحصل على الدكتوراه في الشريعة من بلد غير إسلامي، فسجل رسالته للدكتوراه في النحو والصرف، واختار أن تكون رسالته في الخلاصة، وهي ألفية ابن مالك، مقارنة مع ألفية ابن معطي، والخلاصة ألف بيت، ثم دفعه طموحه إلى أن تكون رسالته في الكافية الشافية وهي ثلاثة آلاف بیت، وهي الأصل الذي اختصرت منه الألفية، وقد كتبها باللغة الإنجليزية، وهذه الرسالة بهذا الحجم، وبلغة غير العربية تعتبر عملاً علمياً فريداً بل معجزة من المعجزات.
وأثناء إعداده لهذه الرسالة ولكثرة القراءة توقفت عيناه عن الحركة فقال له الطبيب: لابد أن تتوقف عن القراءة، ولكنه أصر على الاستمرار فيها، فشفاه الله.
وبعد حصوله على الدكتوراه عمل أستاذاً للنحو والصرف والعقيدة، ثم عين عميداً لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية.
وبعد ضم كليتي الشريعة والتربية التابعتين لوزارة المعارف سابقاً، وزارة التربية والتعليم حالياً إلى جامعة الملك عبد العزيز عُين الدكتور راشد مشرفاً على شطر جامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة.
وبعد أن صدر الأمر الملكي الكريم بإنشاء جامعة أم القرى في مكة المكرمة عام ١٤٠١هـ تم تعيينه مديراً لها.
باشر الدكتور راشد فترة تأسيس الجامعة، وما أدراك ما التأسيس، إذ قابل الصعاب بهمة عالية ، وعزيمة لا تعرف الكلل؛ وعمل ليلًا ونهارا؛ فارتقى بالجامعة – في فترة وجيزة – إلى مصاف الجامعات العريقة؛ حيث توسع في فتح عدد كثير من الكليات والمعاهد وأقسام الدراسات العليا في تخصصات متعددة ، وكذلك استحداث أقسام في المرحلة الجامعية، والمعاهد المتخصصة؛ كمركز خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة ، ومعهد البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، ومعهد اللغة العربية لغير الناطقين بها، وعمادة القبول والتسجيل، وعمادة شؤون الطلاب، وعمادة المكتبات، واستقطب للجامعة عدداً من جهابذة العلماء في جميع التخصصات الشرعية واللغوية والأدبية وغيرها، والخلاصة أنه نهض بالجامعة نهضة كبيرة، وكان يداوم في مكتبه صباحاً ومساء، حتى في حالات توعكه.
وبعد أن كانت الجامعة في مكان ضيق بالعزيزية فإن العمل المذهل حقاً هو تمكنه من حيازة موقع جديد واسع جدا للجامعة في العابدية بدون مقابل مالي، اللهم إلا إن كان نزراً قليلا؛ ثم قيامه وإشرافه على مخططات ومباني الجامعة، وصعوده الجبال مع المهندسين والعمال حتى تمت إحاطتها وحفظ موقعها بالشبوك، فأصبحت مدينة جامعية بحق.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم … وتأتي على قدر الكرام المكارم
وقام معاليه بدعوة كثير من أصحاب السماحة والعلماء والأدباء والشعراء، وكثير من أهل الفنون الأخرى لتقديم محاضرات عامة مسائية يحضرها الأساتذة والطلاب، وكان يحضر –رحمه الله- هذه الأمسيات، كما كان يحضر مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه من أولها إلى آخرها.
ومع كثرة أعبائه الإدارية والاجتماعية فإنه لم ينقطع عن العلم، فقد كان يشرف على بعض رسائل الدكتوراه في العقيدة والنحو، وكانت له جلسة بعد عصر الجمعة يزوره فيها بعض طلاب العلم وجيرانه، وغيرهم، يطرح فيها للنقاش بعض المسائل العلمية والاجتماعية.
وعندما يتجول لتفقد الدراسة في قاعات المحاضرات، وخاصة في أول الفصل الدراسي ويجد أستاذ المادة غائباً أو متأخراً يقوم -رحمه الله- بتدريس المادة في الموضوع الذي كان سيدرسه أستاذها، سواء كان في التفسير أو الحديث أو الفقه أو النحو أو الأدب أو النقد والبلاغة دون تحضير سابق للدرس، وعندما يأتي أستاذ المادة يتوقف رحمه الله. وبهذا العمل يكون قد أشعر المدرس بتقصيره في واجبه.
ومن سمو أخلاقه وعجيب أفعاله أن زاره في مكتبه أحد أساتذة الجامعة وكان المذكور يشرب الدخان، فغفل وولع السيجارة أمام الدكتور فلم يعاتبه وإنما أسرع -رحمه الله- وجاء بإناء صغير ليضع فيه رماد الدخان، فانتبه المدخن وخجل وأطفأ السيجارة.
وهذه الحادثة تذكرني بموقف الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بال الأعرابي في المسجد فنهره الصحابة رضوان الله عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزرموا عليه بوله ألقوا عليه سجلاً من ماء. فلما فرغ قال: يا أخا العرب إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا، إنما هي للصلاة وقراءة القرآن – أو كما قال عليه الصلاة والسلام – فقال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تحجرت واسعاً يا أخا العرب.
وفي عام 1995م عين عضواً بمجلس الشورى، فأسهم مع زملائه أعضاء المجلس إسهاماً جيداً في كل ما يصب في خدمة الوطن والمواطن.
وبأمر من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله كلف برئاسة النادي الأدبي بمكة المكرمة، فنهض بالنادي نهضة عظيمة، فكثرت أمسياته الأدبية وكثر مرتادوه، وكثرت مطبوعاته.
ورشح نائباً لرئيس مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني فحاول الاعتذار لكن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبدالعزيز ألح عليه ورفض اعتذاره، فقام بواجبه في هذا المجال كما في المجالات الأخرى خير قيام.

كان الدكتور راشد رحمه الله ذكياً جدا وقوي الحافظة، حفظ القرآن الكريم حفظًا متقنًا، وكانت قراءته له خاشعة مؤثرة، كما حفظ ألفية ابن مالك، وكثيراً من المتون، وحفظ المعلقات، وكثيراً من عيون الشعر. وقد سمعت سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد –رحمه الله- وهو يشيد بالمستوى العلمي لراشد.
ومما يتميز به صلابة الرجولة، وحدة الذهن، وصفاء الملكة، وسرعة البديهة. وأعتقد أنه لو سلم من الأعمال الإدارية التي شغلت وقته لكان إماماً من أئمة العلم البارزين، وكان يتميز بحسن الخلق، وحسن المنطق والحلم والأناة، محباً لأهل العلم والفضل، ويعرف لهم قدرهم. جاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: “إن فيك خلتين يحبهما الله عز وجل: الحلم والأناة”.

أما الكرم فحدث ولا حرج، فهو جواد سخي، بيته مراد لمدعويه وزواره. يكرم فيه الملوك والأمراء، وأصحاب السماحة والعلماء، وأهل الوجاهة والأدباء، وعامة الناس والأقرباء والأصدقاء، كما تميز بالإخلاص لله وحسن عبادته، ومساعدة الفقراء والمحتاجين، والشفاعة لمن يتعلقون به للشفاعة في قضاء حوائجهم، وموضوع شفاعاته في الخير من أبرز صفاته رحمه الله.
وكانت هذه الصفات الجميلة التي أشرت إلى شيء منها من العوامل المساعدة بعد توفيق الله إلى محبته ومؤازرته وتأييده عند ولاة أمر هذه البلاد من الملوك والأمراء؛ مما سهل الله به له كثيراً من الأمور، وذلل له كثيرًا من الصعاب، لاسيما في مراحل تأسيس المدينة الجامعية بالعابدية، وكذلك في تحقيق الله له الحصول علی مطالب من يشفع لهم.
وأكرم الناس ما بين الورى رجل ​تقضى على يديه للناس حاجات
لا تقطعن يد المعروف عن أحد​مـــــــــــــــــــــــــا دمت تقدر والأيام تارات
وكما نفع الله به كثيرين فقد نفع الله به جماعته الأشراف بتربة حيث نهض بهم نهضة كبيرة؛ إذ كانت جهوده رحمه الله من أهم الأسباب التي أتاحت لكثير منهم الحصول على درجات علمية مرموقة كدرجتي الماجستير والدكتوراه، وكذلك تحسن أحوالهم المادية، وكانوا هم خير عون له فيما يشجعهم إليه؛ إذ كانوا على قدر كبير من الذكاء والطموح والاستعداد للترقي إلى المعالي، مع محبتهم الشديدة وتقديرهم البالغ لمعاليه، وهو رحمه الله يبادلهم حبا بحب.
أما إسهاماته في خدمة محافظة تربة فهي كثيرة جدا؛ من ذلك أنه بعد سحب ماء وادي تربة إلى الطائف وبعض الأماكن الأخرى، ولم يكن لتربة نصيب من ذلك المشروع، ولم تصلها بعد مياه التحلية قام رحمه الله بطلب صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبد العزيز -رحمه الله- وزير البلديات آنذاك أن يتبرع سموه بحفر ست آبار في أعلى وادي تربة ومد مائها إلى محافظة تربة، وقال له: أنا بارك بهذا المشروع، فاستجاب سموه، ومد الماء إلى تربة، رحمهما الله رحمة واسعة. وبعد عدة سنوات مدت الدولة وفقها الله مياه التحلية إلى تربة.
ومن جهوده رحمه الله أن سعى في فتح فرع لجامعة الطائف في تربة. وقد تم ذلك بفضل الله ثم بجهوده. ثم سعى في حجز مكان واسع وكبير لها على الطريق العام للقادم من الطائف، ويسر الله له تحقيق ذلك.
ومن المآثر الشريفة لمعاليه رحمه الله جائزة التفوق العلمي والخلقي التي أنشأها لطلاب وطالبات تربة في مراحل التعليم المختلفة بما فيها المرحلة الجامعية، وقد قدم لها مليون ريال وزع على خمس سنوات مضت.
ومن إسهاماته الجزلة تبرعه لجمعية تحفيظ القرآن الكريم بتربة بست قطع من الأراضي في وسط البلد، كما أضاف مكرمة أخرى؛ إذ قام ببناء ثلاث قطع منها بناءً كاملاً ليكون مقراً للجمعية، كما أسهم سنوياً بتبرعات سخية لجمعية تحفيظ القرآن الكريم بتربة.
كما تبرع لروضة الأطفال في العلاوة بتربة بأرض لتكون مقراً لها.
كما بنى عدداً من المساجد في مكة المكرمة وفي تربة وغيرهما، وساهم في بناء مساجد أخرى.
وبناءً على ما رزق الله به الدكتور راشد الراجح من الصفات الحميدة، والمستويات العلمية الرفيعة، والنجاحات الإدارية الكثيرة، والأعمال الخيرية المباركة فإنه يصدق عليه قول الإمام الشافعي رحمه الله:
قد مات قوم وما ماتت فضائلهم … وعاش قوم وهم في الناس أموات
وأذكر نفسي والقارئ الكريم بتقوى الله عز وجل، وتقديم الأعمال الصالحة.
كما أذكر بقول أحمد شوقي:
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها … فالذكر للإنسان عمر ثاني
أيها القارئ الكريم هذه صورة موجزة، لكنها تنم عما وراءها من فضل كبير.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزي معاليه خير الجزاء على ما قدم، وأن يجعل ذلك في موازين حسناته، وأن يديم على بلادنا نعمة الأمن والأمان التي ترفل فيها مملكتنا الحبيبة تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولى عهده سمو الأمير محمد بن سلمان وفقهما الله لكل خير.
وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد الصادق الأمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى