كتاب الرأي

المعايير لا تجامل..

أخطر ما يحدث للأشياء ليس أن تسوء، بل أن يتغيّر المعيار الذي كنّا نقيس به سوءَها. ولست أعني بالمعايير أذواقًا شخصية نرفعها إلى منزلة القواعد، بل أصولًا أخلاقية واجتماعية ومهنية مستقرة، تُعرف بها جودة الأشياء وحدود المقبول منها؛ فالذوق يحتمل الاختلاف، أما المعيار فثابت؛ لا يُعاد تشكيله، ولا تُصنع له الاستثناءات.

فمنذ اللحظة التي نحتاج فيها إلى تبرير ما كان واضحًا، وتجميل ما كان مرفوضًا، وإيجاد أسماء مخففة لما لا يليق، فالمسألة لم تعد اختلافًا في الرأي، بل اختلالًا في الميزان.

فسقوط المعايير لا يحدث دفعةً واحدة؛ بل يبدأ بتنازلٍ صغير، ثم استثناء، ثم تبرير، حتى يستيقظ المرء ذات يوم في موضعٍ بات بعيدًا عن معاييره؛ لأنه أمضى وقتًا طويلًا يكيّف نفسه مع ما كان ينبغي أن يرفضه منذ البداية.

والتساهل في المعيار أخطر من الخطأ نفسه؛ فالخطأ يمكن رؤيته وتصحيحه، أما حين يُمنح الخطأ وصفًا أخف، ويُعاد تقديمه بصورة تجعله مقبولًا، فإننا لا نكون قد عالجناه، بل نقلناه من دائرة الرفض إلى دائرة الاعتياد. ومع كثرة الاعتياد تضيق المسافة بين ما يليق وما لا يليق، حتى تصبح الحدود التي كانت يومًا واضحة موضع نقاش، ويصبح التمسك بها تشددًا في نظر من اعتاد تجاوزها.

وهنا تكمن الشجاعة: أن تقول «هذا غير مناسب» دون أن تكسوه بعباراتٍ مخففة حتى يفقد معناه، ودون أن تخشى أن يزعج وضوحك من اعتادوا أن تمر الأشياء أمام أعينهم بلا مساءلة. فقول «غير مناسب» في موضعه ليس فظاظة، بل دقة؛ وليس تعاليًا، بل احترامٌ للمعيار الذي يمنع الجيد من أن يتساوى بالرديء، واللائق من أن يختلط بما دونه.

وليس في المحافظة على المعايير تضييقٌ لمساحة الاختلاف؛ فالاختلاف مشروع ما دام يدور داخل حدود الأصل، أما أن يتحول الاختلاف إلى وسيلة لإعادة تعريف المقبول كلما ضاقت بنا حدوده، فذلك ليس اختلافًا بقدر ما هو تنازل تدريجي عن المعيار نفسه. ولهذا لا تكون الصرامة دائمًا قسوة، كما لا تكون المرونة دائمًا فضيلة؛ فلكل منهما موضع، ويبقى المعيار هو الفاصل الذي يمنع المرونة من أن تتحول إلى تفريط.

فالمعايير لا تتغيّر، وما شذَّ عنها لا يبدّل أصلها؛ فالحكم للغالب، لا لما شذَّ وندر…

عزة عبدالرحمن الغامدي

مدير إدارة الاستثمار - كلية الباحة الأهلية للعلوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى