المقالات

حتّى لا يكون الثمن مكلف !

اعتدنا في مجمل تفاصيل حياتنا اليومية على دفع تكاليف معينة وهنا ليس المقصود التكاليف المادية، وإنما تكاليف المحبة والمودة من مشاعر صادقة، وأحاسيس مرهفة تجاه من نحب من أصفياء ارتضينا أن يكونوا لنا محبين وشركاء حقيقيون في الشدة والرخاء.

ولعل مجريات الأحداث اليومية، والوقائع الجارية تكشف لنا بوضوح تام صدق هذه العلاقة من زيفها، وتكشف لنا في الوقت نفسه حسن اختيارنا من عدمه، فإن أحسنا فقد تحقق ما نسعى إليه وهو المأمول، وإن أسأنا الاختيار وهذا ما لا نرجوه فلعلها خيرة.

ومن المستحسن أن يسود حسن الظن، والثقة المتبادلة بين المحبين كافة ضمن ثنايا العلاقة الأصيلة وأن لا نقع في وحول سوء الظن، وشر سوء التفكير، وأن نتجاوز عن المحب في بعض سقطاته العفوية المفاجئة ففي المحصلة النهائية كلنا بشر نصيب ونخطئ ليس إلا.

ومن البدهي في طبيعة الأحوال الإنسانية ومن جميل حسن الاختيار أننا نجد من نحبه بمثابة المعين الوفي، والسند الدائم لكل ما يدور من حولنا من أفراح، أو أتراح، ففي الرخاء لا تكتمل الفرحة ولا السعادة إلا برؤية من اصطفيناه مشاركاً بحب وكأنها فرحته، وكذلك في الشدة نجد من يتألم مما نتألم منه وكأن مصيبتنا واحدة.

وفي المقابل نأسف أشد الأسف لمن لم نوفق في اختياره، فنجده في لحظات السعادة يظهر بمشاعر باردة لا يعنيه ما يحصل بل قد تتجاوز تلك المشاعر الغبطة إلى حد الذنب ! إضافة إلى مشاعر اللامبالاة في وقت الألم وكأن لسان حاله يقول: كل ما يحدث لا يعنيني من قريب أو بعيد..!

ومن البدهي في طبيعة الأحوال الإنسانية أن العلاقات الراسخة لا تقوى، ولا تثبت إلا إذا تعرضت لعظيم المواقف الطارئة، والتجارب الحقيقية فمن خلالهما تزدادالعلاقات صلابة،
وتتعاظم متانتها فتنفث كل وهم قائم، أو تصور مبالغ في حدوده، وتتحقق في الغالب الغاية المرجوة.

إن الحياة بخيرها وشرها سوف تمضي بكل من عاش تفاصيلها وسط حضور من يُحب ومن لا يُحب، وقد يقع الكدر بيننا وبين من نُحب في لحظة جحود ونكران فتدمر العلاقة الكبيرة وحينها يقع الندم ونأمل أن ماكان يعود، ولكن بعد فوات الوقت فمن المستحيل العودة إلى أول العهد القديم، وإن عادت فلن تكون بمثل ما ماكانت.

وعلى أي حال وجودنا العابر في هذه الحياة العامرة يُحتم علينا أن نحسن اختياراتنا الصائبة، وغاياتنا البعيدة، وأن تكون كامل توقعاتنا على قدر إدراكنا لأعماق النفس البشرية، وفهمنا لمتغيرات الواقع الذي نعيشه لا الذي نتخيله؛ حتّى لا يخيب ظننا كثيراً فيمن نحب بعد أن أعطيناه أكثر من وسعنا، وحتّى لا ندفع ثمن باهظ لفاتورة المحبة المرهقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى