كتاب الرأي

رسالة أخرى من المستقبل

لست هنا لأخوّفكم، جئتكم من مكان يسمّيه بعضكم المستقبل، وأول ما أريد أن أقوله لكم هو ان من يَعِدُكم بأنّ الغد اجمل من اليوم، لا يكذب عليكم فحسب، بل يسرقكم من الوقت الوحيد الذي تملكونه فعلاً، وهو هذا الذي تعيشونه الآن.
لا أكتب من خيال، ولا من نبوءة، أكتب مما رأيته بعينيّ في هذا الزمن الذي كان يُقال لكم إنه سيكون مختلفاً، لم يختلف ولكن تبدّلت الأدوات، وتبدّل شكل المدن، وبقي الإنسان هو الإنسان، يُحصد ما يزرعه في شبابه، لا أقل ولا أكثر.
قابلتُ في هذا المستقبل رجلاً جاوز السبعين، بنى شركته من لا شيء، ووسّع تجارته حتى صارت اسماً يُذكر، سألته عن أبنائه فصمت طويلاً قبل أن يجيب ثم قال: نعيش في بيت واحد ونادراً ما نلتقي، لم يكن غاضباً وهو يقول ذلك، وهذا ما آلمني أكثر؛ لقد تصالح مع الغياب حتى صار طبيعياً عنده، كان قد آمن في الثلاثين من عمره، بأن الوقت الذي يمنحه لعمله هو استثمار في مستقبل أسرته، فإذا بالمستقبل يأتي وقد بنى كل شيء إلا العلاقة التي كان يفترض أن تُستقبَل به الشيخوخة.
وقابلتُ امرأة حاصلة على أعلى الشهادات، وتقلّدت مناصب رفيعة، فسألتها عن سرّ نجاحها، فقالت بصوت هادئ لا يخلو من مرارة: أجّلت كل شيء آخر لأجل هذا. أجّلت الزواج حتى فات أوانه، وأجّلت الأمومة حتى صار سؤالاً مؤلماً لا أحد يجرؤ أن يسألها إياه، كانت تظن أن التوازن ترفٌ يمكن تأجيله إلى ما بعد الإنجاز، فإذا بها تكتشف أن بعض الأبواب، إذا لم تُطرَق في وقتها، لا تُفتح بعد ذلك مهما بلغت من مكانة، ورأيت عيادات نسائية يبحث فيها عن علاج للإنجاب المتأخر، وردود من أطباء بأن الأمل ضئيل بسبب تأخير الإنجاب.
وسمعتُ من كثيرين قصة واحدة بأصوات مختلفة، نجاحٌ في العمل، وخواءٌ في البيت. رجال بلا زوجة صالحة تسندهم، لأنهم اختاروا في شبابهم من تُزيّن حياتهم لا من تُقيمها. ونساء بلا رفيق يشاركهنّ الوحدة، لأنهنّ ظننّ أن الاستقلال يُغني عن الشراكة، وكلاهما اليوم في هذا المستقبل الذي يُقال إنه أفضل، يعيشان قلقاً واحدًا هو قلق من لا أحد ينتظره حين يعود، ولا أحد يسأل عنه حين يغيب، وأذكر من تلك القصص من يقول: أخاف أن أمرض ثم أموت وحيداً لا يعرف عن وفاتي أحد إلا بعد عدة أيام.
ليس هذا حديثاً عن الفقر؛ فبعض من قابلتهم أثرياء بمقاييس زمانهم، لكنهم بلا حياة تمنحهم معنى وتُشعرهم أن الأيام التي مضت كانت تستحق أن تُعاش، لأن الحياة الكريمة، كما تعلّمتُ من هذا المستقبل، لا تُقاس بما جمعه المرء، بل بمن يحيط به حين يفرغ من الجمع، وإن من قضى شبابه يركض خلف الأرقام في الحسابات البنكية، ونسي أن يبني الإنسان الذي سيرافقه بعد أن يتوقف الركض، يصل إلى هنا فيجد الأرقام قد تضخمت، ويجد نفسه وحيداً كما لم يتوقع، وما أفزعني هو عندما سألت شاباً يركب سيارة فاخرة عن مصدرها، قال وبكل صفاقة: “أبشرك أبوي مات “. كان المال الذي جمعه الأب طوال عمر كامل، بلا أن يعرف ابنه لماذا يستحق أن يُجمَع، يتبدّد اليوم بيد من لم يتعلّم منه غير رقم الحساب؛ فالأب جمع بلا حياة، والابن يصرف بلا مسؤولية، وكلاهما خسر الإنسان الذي كان يُفترض أن يبقى بينهما بعد أن يزول المال.
مما تعلمته ان المستقبل لا يرحم من لا يرحم نفسه، وهذه حقيقة تعلّمتها لا من كتاب بل من وجوه الناس هنا، لكنني أقول لكم، أنتم الشباب من الجنسين، وأنتم اليوم في نقطة القرار التي مررتُ بها ذات يوم، ساعات عملكم ليست شرفاً بقدر ما استطالت، بل بقدر ما تركت لكم من وقت لبيت يستحق أن يُبنى ونومكم ليس رفاهية تُؤجَّل، بل هو الجسد الذي ستحتاجونه سليماً حين تصلون إلى هنا.
وبناء الأسرة ليس محطة تأتي حين يستقر كل شيء، لأن كل شيء لا يستقر، والزمن لا ينتظر استقراركم ليمضي والإنجاب في وقته المناسب ليس عبئاً على طموحكم، بل هو الطموح الذي لا يشيخ ولا يُفلِس والنمو العاطفي مع أبنائكم في سنواتهم الأولى ليس شأناً ثانوياً تؤجّلونه إلى أن يكبروا ويفهموا، فهم يفهمون منذ اللحظة الأولى، ويحفظون في وجدانهم من كان حاضراً ومن كان غائباً وإن جلس بينهم.
هذا هو التوازن الذي أكتب إليكم من أجله؛ لا لأنه شعار جميل، بل لأنني رأيت ثمنه غالياً حين يُهمَل، ورأيت أصحابه هنا في المستقبل هم الأكثر طمأنينة، لا الأكثر إنجازاً بالضرورة، بل الأكثر إنساناً.
فمن قال لكم إن المستقبل أفضل من حاضركم، فلم يكذب عن سوء نية غالباً، لكنه لم يكن صادقاً معكم، المستقبل ليس زمناً قادماً يُصلح ما أفسدتموه اليوم؛ المستقبل هو نتيجة اليوم، مضاعفةً بما فعلتم أو تركتم، وأنا الذي أكتب إليكم من هنا، لا أطلب منكم إلا أمراً واحداً، لا تُرجئوا حياتكم المتوازنة انتظاراً لغدٍ سيأتي وقد صرتم فيه، كما صرت، الشاهد لا الفاعل.
والسلام على من يرحم نفسه اليوم، فيرحمه المستقبل غداً.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

‏• رئيس مركز دار اثان للدراسات الاستشرافية و الاستراتيجية ‏• ⁠ وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى