المقالات

صوتٌ من الصّف الأخير

” الصدارةُ حيثُ أكونُ”
زمنٍنا ، زمن تصارع الأضواء على منصات التواصل، والتسابق بين الأصوات نحو مركز الصدارة…..!!!
“يبقى ثمة صوتٌ آخر، لا يطلب المنصة، ولا يسعى إلى الضوء، لكنه يملأ الفضاء حضوراً صامتاً، إنه “صوت الصف الأخير”. ليس صوتاً واحداً، بل فضاءٌ مترعٌ بالأسئلة، والتأملات، والرؤى التي لا تنتمي إلى منطق المركز، بل تستوطن أرضيةً مختلفة من الوجود والمعنى.”
فالثقافة السائدة في مجتمعنا ( الاجتماعي والتعليمي) دأبت على نمطية القول: إن المكان صانع للمكانة ، والقيمة ، في الصف الدراسي ، في الحفلات ، قاعات الاجتماعات…إلى آخره.
التصنيف الجغرافي للمواقع ، يكاد يكون معياراً للحكم على الأشخاص ، المقاعد الأولى مصدر الضوء والخلفية للعتمة والهامش.
“تبدو هذه الفلسفة أكثر إلحاحاً. ففي ثقافاتٍ تكرّس التراتبية، ويُقدّس فيها صوت الأب والرئيس والمؤسسة، يصبح الهامش هو الملجأ الأخير للتفكير الحر، والاختلاف، والتجديد. هناك، في ذلك الفضاء غير المحروس، تولد الأفكار التي لا تجرؤ على الظهور في الواجهة، لكنها تنمو بهدوء، وتستعد ليومها في التاريخ.”
الطلاب الذين يجلسون في المقاعد الخلفية في الصف الدراسي ، يُوصمون ب( الكسل ، التخلف، المشاغبة …!
الصف الأخير يحمل دلالات اجتماعية ونفسية ، فهي” تشير إلى من يُنظر إليهم كأقل انضباطًا أو اهتمامًا، أو من يُترَك في الظل بسبب الفروق الثقافية أو اللغوية أو الاقتصادية.”
وعلم النفس التربوي ، يرى “أن الجلوس في المقاعد الخلفية لا يعني تلقائياً أن الطالب ضعيف أو غير مهتم. فالمقعد قد يكون نتيجة اختيار عفوي، أو تفضيل شخصي، أو أسلوب في التفاعل مع البيئة الصفية. لكن عندما يصبح اختيار المقاعد الخلفية سلوكاً ثابتاً ومصحوباً بالعزلة أو ضعف المشاركة، فقد يحمل دلالة نفسية وتربوية تستحق الانتباه.”
ويشير علم النفس المعرفي إلى أن الانتباه والذاكرة يتأثران بوضعية الجلوس، ولكن هذه نتائج أداء، وليست سمات شخصية.
وقد أظهرت بعض الأدبيات الاجتماعية” أن أسباب اختيار المقاعد الخلفية ، ليست نفسية فقط، بل تتصل أيضًا بتجنب الزملاء، والقرب من المخرج، ووضوح الرؤية والسمع”
هذا الموقع يُشبه ما أسماه بعض الفلاسفة «موقع الرؤية المزدوجة»: “أن تكون داخل النظام وخارجه في آنٍ واحد. داخل الصف، لكن خارج دائرة الاهتمام الرسمي. ترى المنهج وهو يُقدَّم، وترى في الوقت نفسه ما يُستبعد منه: الأسئلة التي لا تُطرح، والخبرات التي لا تُعترف بها، والقيم التي تُهمَّش لأنها لا تخدم سرعة الإنجاز أو مقياس الاختبار.
الصف الأخير، بهذا المعنى، ليس فشلاً في التكيف، بل فرصة للوعي. هو المكان الذي تبدأ منه «فلسفة الهامش»: الوعي بأن ما يُقدَّم على أنه معرفة كلية ليس سوى معرفة مركزية، وأن الحضور الحقيقي لا يُقاس بمكان الجلوس، بل بعمق الرؤية.”
والتاريخ يؤكد على كسر قاعدة ( الصف الأخير هامش)؛
“الصفوف الخلفية” ليس الموقع الفيزيائي، بل ذلك الفضاء الرمزي الذي يجلس فيه المتمردون على التلقين، والمشاغبون أصحاب الفضول المتقد، والذين غالباً ما يُوصفون في تقارير المدرسة بأنهم “يائسون” أو “مشتتون”. لكن التاريخ يعيد كتابة هذه الأحكام؛
فهناك مبدعون جاءوا من الصفوف الخلفية» تحمل مفارقة تربوية جميلة: “فالمقعد الخلفي قد يكون أحيانًا مكانًا للمراقبة والتأمل، لا علامة على ضعف الطالب أو عدم اهتمامه.”
* ألبرت أينشتاين — عُرف باستقلالية تفكيره وعدم انسجامه دائمًا مع النمط المدرسي التقليدي.
* توماس إديسون — لم يكن نموذجًا للطالب المدرسي التقليدي، وواجه صعوبات في التعليم النظامي.
* وينستون تشرشل — لم يكن متفوقًا في كل جوانب التعليم المدرسي، لكنه برز لاحقًا في الكتابة والخطابة والقيادة.
* ستيف جوبز — كان يميل إلى تحدي القواعد التعليمية التقليدية والبحث عن مسارات تعلم مختلفة.
* جيم كاري — مثال على أن الموهبة قد تظهر خارج مؤشرات النجاح المدرسي التقليدية.
ومع هذا لايجب التسليم بقاعدة ( الصّف الأخير ، هامش )ولا (الصف الأول ، متن).
تؤكد الدراسات أن العلاقة بين موقع الجلوس والتحصيل ليست بهذه البساطة.
فدراسة شملت 1,138 طالبًا جامعيًا لم تجد أثرًا ذا دلالة إحصائية لموقع الجلوس في الأداء الأكاديمي النهائي.
وفي المقابل، وجدت دراسة أخرى على 1,364 طالبًا أن الجلوس بعيدًا عن المعلم ارتبط بانخفاض في الدرجات.
وفي دراسة تناولت تفضيلات الجلوس، ظهرت عوامل مرتبطة بتفاعل الطلاب وبيئة التعلم واختيارهم للمكان، بما يؤكد أن اختيار المقعد سلوك يحتاج إلى فهم، لا إلى إدانة.
الدراسات لا تقول إن الصف الخلفي يصنع طالبًا ضعيفًا، ولا إن الصف الأمامي يصنع طالبًا متفوقًا؛ بل تشير إلى أن العلاقة أكثر تعقيدًا من ذلك.
إن دراسة عن اختيار المقاعد ودافعية الإنجاز وجدت أن الطلاب الذين يختارون المقدمة كانوا أصلًا أعلى في دافعية الإنجاز،
“وهو ما يفتح سؤالًا مهمًا: هل المقعد يؤثر في الطالب، أم أن شخصية الطالب هي التي تدفعه إلى اختيار المقعد؟ “
مع التحولات الكبيرة التي يشهدها التعليم في إطار رؤية 2030، والحديث المتزايد عن «أنسنة التعليم»، ” الأنسنة الحقيقية لا تتحقق بزيادة عدد الأنشطة أو تحسين تصميم القاعات فقط، بل بإعادة توزيع الضوء داخل القاعة نفسها. بأن يصبح الصف الأخير مكاناً يُسمع منه، لا مكاناً يُنظر إليه بوصفه مؤخراً.”
المعلمون والقائمون على العملية التربوية ( أعيدوا فلسفة التفكير السائدة عن الصّف الأخير ،أعيدوا ترتيب الحكم المعياري على المقاعد ).
أخيراً:
“الجلوس في الخلف ليس انعزالاً بقدر ما هو استراتيجية تكيف اجتماعي ذكية تعكس وعياً عالياً بالسياق. إنه إعلان ضمني عن شروط الفرد الخاصة في التفاعل: “أنا هنا لأراقب وأقيّم، وسأشارك وفقاً لشروطي أنا، وليس وفقاً لإلحاح المسرح الأمامي”. إنها لغة الجسد التي تقول: وجودي الجسدي لا يعني استسلامي الكامل للمناسبة.”

علي خضر الثبيتي

مدير إدارة التعليم بعفيف سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى