تلبية لدعوة كريمة من معالي الأستاذ علي الملفي، وجمعية إرثنا التاريخي بتنومة، تلك النبتة الجميلة من بلادتا الغالية، قمت برفقة معالي الدكتور محمد العوهلي ومعالي الدكتور نايف الحجرف الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي السابق وعالم القلب البرفسور عبدالله العبد القادر، بزيارة منطقة تنومة، والمشاركة في ملتقى جمعية “إرثنا التاريخي” بتنومة.
تشرفت بإلقاء كلمة المشاركين في حفل افتتاح الملتقى، وفي الجلسة النقاشية في يومه الختامي، الذي أقيم في إحدى كليات جامعة الملك خالد بأبها.
دارت محاور الملتقى حول سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن توظيف الإرث التاريخي الذي تمتد جذوره في تنومة إلى مئات السنين، وتحويله إلى قوة ناعمة وأحد محركات الاقتصاد في المنطقة؟ وهو توجه تتبناه دول كثيرة حول العالم، استطاعت أن تستثمر ما لديها من إرث تاريخي وثقافي في جذب ملايين السياح سنوياً، وتحويل الذاكرة إلى قيمة اقتصادية وحضارية مستدامة.
لقد استطاعت جمعية إرثنا التاريخي بتنومة أن تصنع حراكاً مميزاً، رغم حداثة عمرها؛ فهي في عامها الثاني من التأسيس، ويقف على رأسها البرفسور فايز الشهري، بما عرف عنه من خلق رفيع وعلم عميق، إلى جانب أعضاء مجلس إدارتها، ومنهم عضو الشورى السابق لعدة فترات الدكتور فايز بن عبدالله الشهري، صاحب المواهب المتعددة والاهتمامات ذات القيمة العالية.
اللقاءات كانت حافلة بالود والكرم الأصيل من رجالات تنومة؛ فقد استضافنا على قهوة العصر الشيخ علي بن سعد الشبيلي، وكيل شيخ شمل قبائل بني أثلة من بني شهر، وتناولنا طعام الغداء في منزل الدكتور عبدالرحمن آل هشبول في الربوعة، وقبله في دار “كريم تنومة” معالي الأستاذ عبدالله الملفي.
التقينا عدداً كبيراً من رجالات تنومة ، منهم رجل الأعمال الشيخ علي بن سليمان الشهري، وكان لنا لقاء مع عدد من الأكاديميين وأصحاب الفكر والأدب.
إن تنومة جميلة، فهي “ملكة جمال عسير”، الاسم الذي أطلقه عليها أخي الكريم د زياد الدريس في مقال سابق له.
إن جمال تنومة لا يكمن في طبيعتها وحدها ، على الرغم من سحر جبالها ووديانها ومناخها، خاصة جبل “عبدالله” و”جبل بكري” ، وإنما في رجالها ونسائها، وفي ما تحتضنه من علم وأدب وفكر وكرم وشهامة؛ إنها مدينة تبتسم لزائرها قبل أن تسأله من أين أتى، وتمنحه شعوراً سريعاً بأنه من أهلها.
ولدي نصيحة أخيرة لكل من يزور تنومة مستقبلاً:
لا تُهملوا الميزان يومياً! فكرم الضيافة ولذة الطعام قد يضيفان إلى أوزانكم بضعة كيلوا مترات، حتى وإن كانت تنومة نفسها من أجمل الأماكن لممارسة رياضة التسلق والهايكنج.
وبين الطعام الشهي والمشي في الجبال والوديان، سيجد الزائر نفسه أما معادلة تنومية فريدة: كرم يزيد الوزن، وطبيعة تساعد على استعادته.
غادرت تنومة، لكنني حملت معي شيئاً من روحها؛ ابتسامات أهلها، ودفء مجالسها، وثراء ذاكرتها، وإيمان رجالها بأن التاريخ ليس صفحات تحفظ، وإنما رأس مال حضاري يمكن أن يصنع المستقبل.
شكراً ألف تنومة وأهلها، وأختم بالعبارة التالية: “من يحب تنومة ما ألومة”.

