في هذا الزمن الذي غزت فيه الشاشات قلوبنا، وتسابقت فيه الخوارزميات على جذب انتباهنا، وأصبح (اللايك) و(الريتويت) مقياساً زائفاً لصحة الرأي تبرز حاجةٌ ملحةٌ للعودة إلى جوهر الحوار الأصيل، ذلك الحوار الذي أسس له قرآننا الكريم، وعلّمنا إياه نبينا العظيم صلى الله عليه وسلم.
فالحوار في الإسلام يحتل موقعاً جليلاً، فهو ليس مجرد مهارة اجتماعية، بل هو قيمةٌ ربانية، ومنهجٌ إلهي. ففي كتاب الله الكريم آياتٌ بيّنات تدعو إلى الحوار بالحسنى، قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
أما في السنة النبوية المطهرة، فيضرب لنا الرسول الكريم أروع الأمثلة في فن الحوار. فبالتأمل في أحاديثه الشريفة، نلاحظ أنه لم يكن يلجأ إلى الأمر والنهي المباشر في كل الأحوال، بل كان يُحوّل التوجيه إلى سؤالٍ يُثير العقل، ويُشحذ الهمم، ويُنشّط التفكير. كان يقول لأصحابه: “أتدرون من المفلس؟” بدلاً من أن يقول: “لا تُفلسوا”، ويقول: “هل تدرون ما الغيبة؟” بدلاً من أن يقول: “لا تغتابوا”. ولم يكن يفعل ذلك لأنه عاجز عن الأمر المباشر، بل لأنه كان يريد أن يصل أصحابه إلى القناعة بأفكارهم، لا بطاعة عمياء. يريد أن يكون إيمانهم وعملهم نابعاً من فهمٍ عميق، لا من انصياعٍ أعمى.
واليوم، ونحن نعيش في عصر الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي، نرى المشهد قد انقلب رأساً على عقب. فتحت لنا المنصات الرقمية أبواباً واسعة للتواصل، لكنها في الوقت نفسه حولت الحوار في كثيرٍ من الأحيان إلى (سِجال رقمي) يفتقر إلى أدب الاختلاف. ففي ظل ما نلاحظه خوارزمياتٍ تُعزز بعض الأفكار المتطرفة، وغرفٍ صوتية تُضخم الأصوات الشاذة، أصبح الحوار في كثيرٍ من الفضاءات الرقمية مجرد (معركةٍ للاستعراض وفرد العضلات)، لا بحثاً عن الحقيقة. والمؤلم أن الذكاء الاصطناعي نفسه، رغم ما يقدمه من تسهيل للمعرفة، ربما يساهم احياناً في توليد محتوىٍ يُغذي التعصب، ويُعمق الفجوات، ويُنتج (فقاعات رقمية) يعيش فيها كلُ فريقٍ في عالم مغلق لا يرى فيه إلا ما يُريد أن يرى.
وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى العودة إلى (الحوار الفكري الناضج) الذي يُعيد للإنسان إنسانيته، ويُعيد للحوار غايته النبيلة. فالحوار الموضوعي يعد جسراً نحو الوعي وله دورٌ بارز في إيجاد بيئةٍ واعية، فهو يُكسب أفراد المجتمع أسلوباً راقياً في التعامل، ويُعلّمهم كيف يختلفون دون أن يتفرقوا، وكيف يتناقشون دون أن يتناحروا. كما يُتيح للنخب الأكاديمية والثقافية والاجتماعية التشاور والتناصح، وفتح آفاقٍ واسعة للنقاش العلمي، مما يُوجد أرضيةً صلبةً للاتفاق، ويُبعدنا عن الخلافات التي تنهش في جسم الأمة، وتُولّد الفتن، وتُفاقم المشكلات.
وفي زمنٍ أصبح فيه (البوت BOT) و(الحساب الوهمي) يُشكّلان الرأي العام أحياناً أكثر من الإنسان نفسه، تزداد أهمية العودة إلى الحوار الإنساني المباشر، الذي تحضر فيه الروح، وتغيب فيه الخوارزمية، وتعلو فيه قيمة الإنسان على قيمة (المتابعين).
وتمثل النقاشات التي تتم في مجلس الشورى في المملكة العربية السعودية أنموذجاً حياً لمثل تلك الحوارات الناضجة، لأنها تصب في نهاية الأمر في مصلحة الوطن، وتعود بالفائدة على المواطنين. إنها حواراتٌ تجمع بين أصالة المنهج الإسلامي، وحداثة الأدوات المعاصرة، وتُثبت أن الشورى ليست مجرد شعار، بل هي منهجُ حياة.
كما يمثل إنشاء مركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري نقلةً حضاريةً نوعية، تتطلبها ظروف المرحلة الراهنة، وتفرض مزيداً من الحوار البناء الفاعل من أجل وطننا الغالي وشعبنا الكريم، ومن أجل الحفاظ على وحدةٍ وطنيةٍ متماسكةٍ لا تهزها الريح، ولا تُفرّقها خوارزمية.
وإن كانت وحدتنا الوطنية متماسكةً بفضل الباري سبحانه وتعالى، فإننا نتطلع إلى المزيد من ذلك على دروب البناء والتقدم. فالحوار الناضج اليوم لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو ضرورةٌ وجودية في زمنٍ تُحاول فيه الآلات أن تسرق منا إنسانيتنا.
وهكذا، فإن الآراء المجتمعة المتعاونة، المنطلقة من حوارٍ وطنيٍّ فكريٍّ شوريٍّ ناضجٍ وفق ضوابط الشريعة، تصل بطبيعة الحال إلى حلولٍ وأفكارٍ ومقترحاتٍ ونتائجٍ إيجابية، لا يمكن أن يصل إليها رأيٌ واحدٌ، أو فكرٌ مستقلٌ بذاته، أو نظرةٌ متعصبةٌ غير حكيمة.
ففي زمنٍ تُصبح فيه الآلة أذكى، يجب أن يبقى الإنسان أرحم. وفي زمنٍ تتسارع فيه الخوارزميات، يجب أن يثبت الحوار على مبادئه. وفي زمنٍ تتفرق فيه الآراء خلف الشاشات، يجب أن تجمعنا طاولةُ حوارٍ واحدة، نسمع فيها صوت العقل، ونرى فيها بريق القلوب، ونصنع فيها مستقبلاً يليق بإنسانيتنا في وطن يعد مصدر فخرنا واعتزازنا. ولعلنا نتمكن من تجسيد صورة الحوار الناضج في فصولنا ومدارسنا وحواراتنا العامة وفق أدبيات الحوار الموضوعي الناضج.
0




