عامكتاب الرأي

من مكاسب الغربة:حينما تكون الرفقة وطناً

لا تقاس الغربة دائماً بمسافات البعد عن الأرض، بل تقاس دائماً بما تتركه في الروحِ من أثرٍ طيب، وبما تمنحه للمرء من رفقة تجعل من البعد والحنين امتداداً لدفءِ الوطن. وحينما أسترجع سنواتِ ابتعاثي في بريطانيا لدراسة الدكتوراه، لا تقف ذاكرتي عند قاعات المحاضرات أو مكتبات البحث فحسب، بل تحطُّ رحالها دوماً عند تلك الأيام الزاهية التي جمعتني بنخبة من المبتعثين من وطني الحبيب السعودية، ومن دول الخليج ومن بعض الدول العربية والآسيوية، حيث عشنا تجربةً إنسانيةً ثرية، وخرجنا بخبراتٍ متنوعةٍ وذكرياتٍ لا يطفئُ بريقَها مرورُ الزمن وهذا ديدن كل المبتعثين.
ومن أعظمِ المكاسبِ المباركةِ التي وهبَتْني إياها تلك الغربة، أن التقيتُ بإخوة أعزاء وزملاء رائعين، ومن بينهم كان سعادة الدكتور سعيد بن سويلم التركي الذي كان مبتعثاً من جامعة أم القرى بمكة المكرمة، كان قد سبقني إلى هناك بأربع سنوات. لم تكن علاقتنا مجردَ زمالةِ دراسة، بل كانت ألفةً روحيةً تجسد فيها قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف). فقد امتدت هذه الألفة لتشمل أسرتينا، فعشنا أياماً سعيدةً ظلت محفورةً في الوجدان، ودليلاً حياً بأنَّ الرفقةَ الطيبةَ هي أحدُ أهمِّ ثمارِ الابتعاثِ الذي لا يُذكرُ في السجلات الأكاديمية، لكنه يُكتبُ في صحائفِ القلوب.
كان رحمه الله متخصصاً في الجغرافيا، واتخذ من قضية المياه في المملكة موضوعاً لرسالة الدكتوراه، فكان خبيراً متمكناً وعالماً غيوراً على مواردِ وطنه. لكنَّ ما كان يميزُه أكثرَ من علمِه هو انتماؤه العميق لتراب بلاده وقيادتها؛ فقد كان حبُّ السعوديةِ يسري في عروقه سريان الماءِ في الأنهار. وإذا ما صادفَ أن تطرَّق أحدٌ من الجنسيات الأخرى إلى بلادنا بسوء، تحول ذلك العالمُ الهادئُ إلى أسدٍ ضروس، يدافع عن وطنِه بانفعال عجيب وغيرة نبيلة، ليثبت أن العلم الحقيقيَ لا ينفصل عن الهوية والانتماء.
لقد أنهى دراستَه وعاد إلى رحاب جامعة أم القرى حاملاً شهادتَه وخبرتَه، كما عدت أنا إلى الوطنِ بعده بسنوات، وظلت صلاتنا ممتدة بالدعاء بظهر الغيب، حتى وافاه الأجل قبل عامين تقريباً، فرحمه الله وجعلَه متنعماً في جنات ونهر. وحتى بعد عودته رحمه الله كان مكرساً أبحاثه كلها على موضوع المياه، ولكن القدر لم يمهله طويلاً لمواصلة الركض العلمي والأكاديمي والوطني.
وفي خضمِ مجتمعٍ مفتوحٍ وثقافات متباينة، كان لهذا الأخِ الغالي بصمةٌ تربويةٌ فريدة؛ فقد ربَّى أبناءَه تربيةً صالحة منحتهم حصانة ذاتية ورقابة داخلية، فكانوا يقطرون أدباً وأخلاقاً عاليةً وقيماً مباركة، يشهد لهم كلُ من عرفهم. وكانت زوجتُه رفيقةُ دربِه مثالاً للمرأة الصالحة، اشتهرت بين نسائنا بتميزِها في إعداد الأطباقِ السعودية الفاخرة، وبفنها في تقديم القهوة السعودية بنكهة أصيلة ومذاق يعيد إلى الأذهان عبق الديار.
إن حديثي في هذا المقال عن هذا الرجل الإنسان ليست مجرد سيرة عالم جغرافي، بل هي درسٌ في الإنسانية والوفاء والوطنية. لقد علَّمنا أن الغربةَ يمكن أن تكون مدرسةً للقيم، وأن الرفقةَ الطيبةَ هي رأس مال المبتعث الحقيقي. وحينما نفقد مثل هذه القامات، فإننا لا نفقد أشخاصاً فحسب، بل نفقد نماذج حيةً تجمع بين العلم والأخلاق والحب الصادق للوطن.
ومما يدعو للفخر والاعتزاز أن معظم إن لم يكن كل المبتعثين على قدر كبير من القيم النبيلة والأخلاق الحميدة ويمثلون وطننا الغالي خير تمثيل. وتظل أيدينا وألسنتنا مبتهلة بالدعاء الصادق لوطننا وقيادتنا على كل ما يقدمونه ويولونه للمبتعثين السعوديين في كل أنحاء العالم حتى يومنا هذا. فلهم صادق الشكر والامتنان ولعلنا نوفق دائماً في رد ولو جزء بسيط من الجميل للوطن والقيادة. وجميل الوطن سيظل يطوق أعناقنا ما حيينا.
وقبل الختام قد يكون من المناسب الإشارة إلى بعض الزملاء الذين شاركوني همَ هذه الرحلة وجمالها وتجاربها الرائعة وبفضل الله لازال التواصل الأخوي والعلمي والاجتماعي يربط بيننا وإن لم يكن اللقاء دائماً فالقلوب تحتفظ لهم بالدعاء بظهر الغيب. ومن هؤلاء الأحبة الكرام: د.عبدالله السلامه، د. عبدالله النغيمشي رحمه الله، د. بكر الشدي رحمه الله، د. محمد آل مزهر، د. سعيد الأحمدي، د. صالح العمري، د. عبدالرحمن محي الشهري، د.عبدالعزيز عبدالله الشهراني، د. طلال بن شعيفان السبيعي، د. فيصل العجمي، د. شافي الدامر، د. رزاق الفيفي، د. فهد المالك، د. فهد اللهيبي، د.أحمد المرزوقي من قطر، د. محمد القاسمي من الإمارات، د. راشد الصانع من الكويت، د. محمد الشرعه، د. موسى أبودلبوح من الأردن.
رحم الله الدكتورَ سعيد التركي وأسكنَه فسيحَ جناته، ووفقَ أبناءَه أينما حلّوا وارتحلوا، وألبسَ زوجتَه لباسَ الصحة الدائمة والعافية التامة. وستبقى ذكراه عطرة في قلوبِ من عرفوه، شاهداً على أن أجمل ما نعود به من الغربة ليس الشهادات فحسب، بل القلوب التي تعرف طريقها إلى الله ثم إلى الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى