كتاب الرأي

المنصة… حين يعود العقل إلى الشاشة الرياضية

في المشهد الرياضي السعودي، لم يعد المتابع يبحث عن برنامج يكرر ما يدور في المدرجات، بل عن صوت يقوده وسط الضجيج ويعيد ترتيب الفوضى في إطار مهني متزن. ولعل تأخري في الكتابة عن برنامج المنصة يعود إلى سفري خارج المملكة حتى قبل يومين، إذ كان من أهدافي أن أشاهد أولى الحلقات وما تلاها قبل أن أكتب رأياً يستند إلى متابعة كاملة وليس انطباعاً عابراً. كما أن انقطاع تركي العجمة عن الشاشة بعد النجاح الكبير الذي حققه في برنامجه السابق كورة جعل عودته عبر المنصة حدثاً يستحق التوقف والتحليل، وليس مجرد متابعة عابرة. فالموضوع هنا ليس حديث قلب، بل حديث عقل يرى المشهد كما يجب أن يُرى، من ارتفاع المنصة نفسها.

تركي العجمة لم يعد مجرد مقدم برنامج، بل أصبح حجر الزاوية في الإعلام الرياضي السعودي. غيابه السابق كشف حجم الفراغ الذي يتركه حين يغيب، لأن الرجل يمثل مدرسة إعلامية قائمة على الاتزان والواقعية ورفع المنتخب فوق كل التفاصيل. نجاحه في كورة لم يكن نجاحاً عابراً، بل كان تأسيساً لأسلوب جديد في إدارة النقاش الرياضي، أسلوب يوازن بين المعلومة والرأي، وبين النقد والمسؤولية، وبين حرارة الحدث وهدوء التحليل. وحين عاد عبر المنصة، عاد معه ذلك الاتزان الذي افتقده كثيرون، وعادت معه القدرة على رؤية المشهد من ارتفاع يسمح بالفهم لا بالانفعال.

المنصة ليست اسماً عابراً، بل رؤية متكاملة. ففي المفهوم العسكري، المنصة هي النقطة المرتفعة التي تمنحك صورة متساوية لكل ما حولك، دون انحياز لزاوية أو تجاهل لأخرى. وهذا ما فعله البرنامج تماماً. فقد رفع زاوية النظر، ووسع مساحة التحليل، وأعاد ترتيب الفوضى في إطار مهني متزن، ليصبح اسمه انعكاساً لطريقة عمله لا مجرد عنوان على الشاشة. اختيار الاسم كان إعلاناً عن منهج إعلامي جديد، منهج يرى المشهد كاملاً، ويضع كل الأطراف تحت معيار واحد، ويمنح المتابع صورة لا يمكن الحصول عليها من البرامج التقليدية التي تعيش على ردود الفعل السريعة.

تركي العجمة في المنصة ليس مجرد مقدم، بل هو عقل يقود الحوار ويضبط إيقاعه ويمنح كل ضيف مساحة كافية ليقدم رأياً لا انفعالاً. هو إعلامي لا يرفع صوته، بل يرفع مستوى النقاش. ولا يطارد الإثارة، بل يطارد الحقيقة. ولا يساير الجمهور، بل يرفع وعيه. ووجوده في المنصة أعاد للبرامج الرياضية هيبتها، وأعاد للمشاهد ثقته بأن الإعلام يمكن أن يكون عقلانياً دون أن يفقد جماهيريته، وأن التحليل يمكن أن يكون عميقاً دون أن يكون معقداً، وأن النقد يمكن أن يكون مسؤولاً دون أن يكون جارحاً.

وفي مقدمة نجوم المنصة يأتي الأستاذ عبد الله فلاته، ذلك الصوت الصحفي العقلاني الجريء الذي يجمع بين الواقعية والاتزان والقدرة على قراءة الحدث من زاوية مهنية لا عاطفية. فهولا يبحث عن إثارة، بل يبحث عن معنى. يقدم رأياً مبنياً على معرفة، وتحليلاً مبنياً على خبرة، ورؤية مبنية على عقل وليست على ميول. ووجوده إلى جانب تركي العجمة لم يكن مجرد إضافة، بل كان اكتمالاً للصورة التي يحتاجها البرنامج، مقدم متزن، وناقد عقلاني، ونقاش يرفع مستوى الفهم لا مستوى الجدل. الأستاذ عبد الله يمثل ذلك النوع من النقاد الذين يضيفون وزناً لا ضجيجاً، ويقدمون تحليلاً لا صراخاً، ويمنحون المتابع ما يحتاجه فعلاً من قراءة هادئة وعميقة ومسؤولة.

ولم يكتف البرنامج بوجود اسمين بارزين، بل جمع نخبة من الخبرات التي صنعت طبقات تحليلية متكاملة. فالأستاذ طارق التويجري المحلل والمسؤول الرياضي يضيف خبرة إدارية تمنح النقاش عمقه المؤسسي، والأستاذ محمد القاسم رئيس نادي التعاون السابق يقدم فكراً كروياً معاصراً يقرأ التحولات الحديثة في اللعبة، والأستاذ جلال الزهراني يوازن النقد بين المعلومة والرأي، والنجم تيسير الجاسم يمنح التحليل بعده الميداني بخبرة اللاعب الدولي، بينما يقدم الحكم المميز خليل جلال قراءة تحكيمية احترافية تعيد للقرارات وضوحها بعيداً عن الضجيج. هذه المجموعة لا تقدم آراء متفرقة، بل تقدم منظومة تحليلية تجعل المنصة أقرب إلى غرفة عمليات رياضية ترى كل شيء من ارتفاع واحد.

وهنا يتضح الفارق بين البرامج التقليدية والبرامج التحليلية الحديثة. البرامج التقليدية كانت تعيش على اللحظة، وتغذي الجدل، وتستند إلى الانحيازات الجماهيرية التي ترفع نسب المشاهدة لكنها لا ترفع مستوى الوعي. هي برامج تقدم صوتاً لا تقدّم عقلاً، وتتعامل مع الحدث كشرارة لا كمسار، وتستثمر في الانفعال أكثر مما تستثمر في المعرفة. في المقابل، البرامج التحليلية الحديثة مثل المنصة تقدم قراءة متوازنة، وطرحاً مسؤولاً، ورؤية شاملة، ونقاشاً مبنياً على معرفة لا على انفعال. وهذا هو الفارق بين الإعلام الذي يستهلك الجمهور، والإعلام الذي يصنعه.

ختاماً..
الإعلام الرياضي اليوم لم يعد ناقلاً للأحداث، بل أصبح صانعاً لوعي الجمهور تجاه المنتخب والأندية والقرارات والاتجاهات. حين يكون الإعلام مسؤولاً، يصبح الجمهور مسؤولاً. وحين يكون الإعلام منحازاً، يصبح الجمهور مشحوناً. المنصة تساهم في رفع مستوى النقاش العام، وتعزيز الانتماء للمنتخب، وتهدئة الاحتقان الجماهيري، وتطوير فهم الجمهور للقرارات التحكيمية، وإعادة تعريف دور الناقد الرياضي من صانع ضجيج إلى صانع وعي. وهذا هو الدور الحقيقي للإعلام حين يعمل من منظور (رؤية شاملة، ونقد مسؤول، وطرح يرفع مستوى الرياضة لا مستوى الصخب).

اللواء ركن م. د . خالد بن شويل الغامدي

زاوية «خلف الخطوط» • متخصص في شؤون الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة والتخطيط الاستراتيجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى