«سلسلة هندسة الرؤية»
كل مشروع وطني كبير يبدأ بسؤال جوهري: ما النتيجة المستهدفة؟
هذا السؤال يصنع السياسات، ويحدد الأولويات، ويوجه الاستثمارات. واستضافة المملكة لكأس العالم 2034 تطرح سؤالاً يتجاوز حدود البطولة: كيف نجعل هذا الحدث نقطة انطلاق لبناء الإنسان السعودي؟
البطولة تمتد شهراً، وأثرها يمكن أن يمتد أجيالاً. وهذا هو المشروع الحقيقي.
هندسة الرياضة السعودية هي منهج وطني يعيد تصميم العلاقة بين الإنسان، والتعليم، والصحة، والاقتصاد، والتقنية، والرياضة، بهدف بناء مجتمع أكثر صحة وإنتاجية وجودة حياة، وجعل الإنجاز الرياضي نتيجة طبيعية لهذه المنظومة.
لقد تجاوزت الرياضة في القرن الحادي والعشرين مفهوم المنافسة على الكؤوس؛ لتصبح صناعة، واقتصاداً، وصحة، وبحثاً علمياً، وجودة حياة. ورؤية المملكة 2030 التي وضعت الإنسان في قلب التنمية، تجد في الرياضة أداة عملية لتحويل الرؤية إلى ممارسة يومية يعيشها ملايين الأطفال والشباب.
كل طفل سعودي هو مشروع وطني يحمل موهبة تنتظر الاكتشاف؛ أحدهم عداء، وآخر سباح، وثالث فارس، ورابع لاعب كرة، وخامس يمتلك مقومات القيادة داخل الفريق. ومهمة الدولة تصميم المنظومة التي تكتشف هذه القدرات، وتصقلها، وتقودها إلى موقعها الأنسب.
هذه المنظومة تبدأ من المدرسة. التجربة اليابانية تقدم درساً في جعل الحركة أسلوب حياة، وترسيخ الالتزام والعمل الجماعي منذ المراحل المبكرة. والتجربة الصينية تقدم أنموذجاً في التتبع البدني المستمر، واكتشاف المواهب مبكراً، والتدريب المتدرج مع النمو. والمملكة تمتلك الفرصة لبناء أنموذجها الخاص؛ أنموذج ينطلق من قيمها، ويستفيد من أفضل الممارسات العالمية.
نحن نتطلع إلى موسم رياضي مدرسي متكامل ينتهي بتخرج الطالب وهو يتقن رياضة واحدة على الأقل؛ كالسباحة، أو الرماية، أو الفروسية، أو الفنون القتالية. هذه المهارات تبني الصحة، وتعزز الانضباط، وتنمي الثقة بالنفس، وتغرس روح القيادة والعمل الجماعي.
ويمتد هذا البناء إلى الحي، حيث تتحول المراكز الرياضية والملاعب إلى بيئات نابضة بالحياة، تُستغل صباحاً للمدارس، ومساءً للأسر والشباب. وتنطلق منافسات منظمة بين المدارس والأحياء والمدن، بجدولة معلنة، ورعاة، وتغطية إعلامية، حتى تصبح الرياضة جزءاً من الحياة اليومية للمجتمع. وعندها يرتبط طموح الطفل بالملعب، وساعاته بالتدريب، وقدوته بالإنجاز.
وتقوم هذه المنظومة على خمسة محاور مترابطة: بناء الإنسان، والبيانات، والتكامل المؤسسي، والاقتصاد الرياضي، والتحسين المستمر.
فالرياضة الحديثة علم يعتمد على المختبرات والتقنيات؛ أنظمة تقيس زوايا المفاصل، وتراقب توزيع الأحمال العضلية، وتحلل أنماط الحركة، وتتنبأ بالإصابات، وترفع كفاءة الرياضي قبل المنافسة، وتسهم في تأهيله بعدها.
وفي الهندسة الصناعية تُبنى المنظومات من خلال تحديد المدخلات، وربط العمليات، وقياس المخرجات، والتحسين المستمر. ويطبق المنهج نفسه في الرياضة الوطنية، فتتحول عملية اكتشاف المواهب، وتنميتها، وقياس أثرها إلى منظومة مؤسسية قابلة للتطوير، تعتمد على البيانات أكثر من الاجتهادات الفردية.
ويحمل كل طفل ملفاً رياضياً رقمياً موحداً يتابع النمو، والقوة، والسرعة، والتحمل، والمرونة، ومؤشرات اللياقة. وتتراكم هذه البيانات عبر المراحل العمرية لتشكل قاعدة معرفة وطنية تساعد في التخطيط الصحي، وتصميم المنشآت الرياضية، وتطوير المناهج، وقياس أثر السياسات العامة. ويحلل الذكاء الاصطناعي هذه البيانات لتوجيه الطفل نحو الرياضة الأنسب لقدراته، ودعم مساره التطوري منذ المراحل الأولى.
وتعمل هذه المنظومة من خلال تكامل التعليم، والرياضة، والصحة، والبلديات، والصناعة، والاستثمار، والإعلام، ضمن سلسلة قيمة رياضية واحدة (Sports Value Chain). ويقود هذا التكامل إلى اكتشاف المواهب، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الوقاية الصحية، وتوطين الصناعات الرياضية، وجذب الاستثمارات، وصناعة القدوات.
ويمتد أثر هذه السلسلة إلى الاقتصاد الوطني. فالممارسة الرياضية المدرسية تتكامل مع صناعة المعدات والأجهزة والملابس الرياضية، وتغذي البحث العلمي والابتكار في الجامعات، وتفتح المجال لتأسيس شركات سعودية ناشئة في تقنيات الرياضة (SportsTech)، وتولد فرصاً نوعية للمدربين، والحكام، ومحللي الأداء، وأخصائيي العلاج الطبيعي، والتغذية، وهندسة الأجهزة، والذكاء الاصطناعي، والإدارة الرياضية.
وتدار هذه المنظومة بوصفها نظاماً مغلق الدورة (Closed-Loop System) يحافظ على الاستثمار في الإنسان عبر جميع مراحل حياته. فالرياضي الذي ينهي مسيرته داخل الملعب يمتلك خبرات وبيانات متراكمة تعيده إلى المنظومة مدرباً، أو حكماً، أو باحثاً، أو مطوراً للمعدات، أو قائداً في الإدارة الرياضية، لتستمر دورة المعرفة والخبرة داخل الوطن.
ويقاس نجاح هذه المنظومة بمجموعة من المؤشرات الوطنية؛ نسبة ممارسة الرياضة، وعدد الدوريات المدرسية المنتظمة، وعدد المراكز الرياضية في الأحياء، وحجم الشركات الوطنية العاملة في القطاع، وبراءات الاختراع، والأبحاث العلمية، والوظائف المستحدثة، وانخفاض معدلات السمنة، وارتفاع متوسط اللياقة البدنية، وتحسن جودة الحياة.
ويأتي المنتخب الوطني بوصفه أحد مخرجات المنظومة، إلى جانب مجتمع أكثر صحة، واقتصاد أكثر تنوعاً، وقطاع رياضي أكثر ابتكاراً، وجودة حياة أعلى.
وتملك المملكة فرصة تاريخية لبناء نموذج سعودي في الرياضة، ينطلق من المدرسة، ويكبر في الحي، ويقوده العلم، وتدعمه البيانات، وتتكامل في بنائه مؤسسات الدولة، ويثمر اقتصاداً معرفياً وفرصاً نوعية وجودة حياة.
وقد يحمل أحد أبناء هذا الجيل كأس العالم يوماً ما، وقد يقود أحدهم مختبراً للطب الرياضي، أو يؤسس شركة سعودية في تقنيات الرياضة، أو يطور نظاماً ذكياً لاكتشاف المواهب، أو يصمم معدات تحمل عبارة “صنع في السعودية”. وجميع هذه المسارات تمثل نجاحاً للمنظومة؛ لأنها تحقق الغاية نفسها: الاستثمار في الإنسان.
وعندها يصبح كل طفل يدخل ملعب المدرسة بداية رحلة تمتد عبر التعليم، والصحة، والبحث العلمي، والاقتصاد، حتى يصل إلى الموقع الذي تناسبه قدراته. وتتحول الرياضة إلى منظومة وطنية تصنع القيمة في كل مرحلة من مراحل الحياة.
*استضافة كأس العالم 2034 تمثل بداية المشروع، والإنسان السعودي يمثل غايته، وهندسة الرياضة السعودية تمثل منهجه.*



