ليست المشكلة في زيارة المريض، فهذه من أنبل السلوكيات الإنسانية التي تعكس الوعي الاجتماعي الحي، وليست المشكلة في الهدية أيضًا، فهي في أصلها رسالة محبة ودعاء بالشفاء. لكن المشكلة الحقيقية تكمن حين تتحول العادة إلى طقس اجتماعي متكرر يفقد أثره، ويبتعد عن جوهره، دون أن ننتبه.
في كل زيارة لمريض، تتكرر الصورة ذاتها: أكياس من الشوكولاتة، علب من الحلويات، ورود، تمور، عصائر، ومعجنات متنوعة. مشهد يبدو في ظاهره مفرحًا، لكنه في الواقع يكشف خللًا هادئًا يتكرر يوميًا داخل المستشفيات والمنازل دون مراجعة حقيقية.
السؤال الذي لا يُطرح كثيرًا: كم من هذه الهدايا يصل فعليًا إلى المريض؟ وكم منها يُستهلك فعلًا بما يتناسب مع حالته الصحية؟ وكم ينتهي به المطاف إلى التكدس، ثم التلف، ثم الرمي؟
الحقيقة التي يعرفها العاملون في المجال الصحي، وربما كثير من الأسر، أن المريض غالبًا لا يستطيع الاستفادة من معظم هذه الهدايا. إما لأن حالته الصحية لا تسمح له أصلًا بالأكل، أو لأنه يخضع لنظام غذائي صارم يمنع السكريات والدهون والأملاح، أو لأنه يتلقى تغذية عبر وسائل طبية بديلة.
ومع ذلك، تستمر العادة. تتكرر الهدايا، وتتراكم، وتتحول غرفة المريض إلى مساحة مزدحمة بأشياء جميلة الشكل، عديمة الأثر الفعلي. والأسوأ من ذلك أن بعض المرضى قد يتناولون منها بدافع المجاملة أو الرغبة، فيتعرضون لمضاعفات صحية كان يمكن تجنبها.
هنا نكون أمام مفارقة واضحة: نية طيبة، ونتيجة غير محسوبة.
الخلل ليس في الناس، بل في العادة نفسها. في عدم إعادة التفكير في شكل “الهدية” ودورها. في غياب السؤال البسيط: هل ما نقدمه اليوم يخدم المريض فعلًا، أم يخدم صورتنا الاجتماعية فقط؟
من هذه الزاوية، يصبح من الضروري إعادة تعريف هدية المريض جذريًا، لا شكليًا. لماذا لا تتحول قيمة هذه الهدايا إلى مساهمات مالية موجهة إلى الجمعيات الصحية والخيرية المتخصصة؟ لماذا لا تُستبدل الهدية المباشرة بأثر علاجي يصل إلى مريض آخر أكثر حاجة، مع إهداء الأجر للمريض نفسه؟
بهذا التحول البسيط في الفكرة، نكون قد انتقلنا من دائرة الاستهلاك إلى دائرة الأثر. من هدية تُستهلك في ساعات أو تُرمى في أيام، إلى مساهمة قد تُسهم في علاج إنسان، أو دعم أسرة، أو تخفيف ألم.
والأهم أن هذا التغيير لا ينتقص من روح الزيارة، بل يرفعها إلى مستوى أعمق. زيارة المريض ليست في حجم الكيس الذي نحمله، بل في حجم الأثر الذي نتركه. والرحمة لا تُقاس بشكل الهدية، بل بعمق فائدتها.
إن الاستمرار في نمط الهدايا التقليدية دون مراجعة لم يعد مجرد عادة اجتماعية بريئة، بل أصبح سلوكًا يحتاج إلى وعي جديد. وعي يفصل بين “الإحساس الطيب” و” الأثر الحقيقي”، ويعيد توجيه النية نحو نتائج أكثر نضجًا واستدامة.
وقد جاء في المعنى النبوي: “داووا مرضاكم بالصدقة”، وهو معنى يتجاوز الشكل إلى الجوهر، ويتجاوز اللحظة إلى الامتداد.
اليوم، لسنا أمام دعوة لإلغاء الهدية، بل أمام ضرورة لتصحيح مسارها. فالمجتمعات لا تتطور حين تتمسك بعاداتها فقط، بل حين تُراجعها بذكاء، وتُبقي على قيمها، وتُغير أدواتها.
قد تكون أجمل هدية لمريض، ليست ما يوضع بجانبه، بل ما يُكتب في ميزان حسناته، ويصل أثره إلى مريض آخر ينتظر فرصة علاج.

