للتعليم عودةٌ لها شأنها؛ فما إن يستأنف حضوره حتى تستعيد الحياة إيقاعها، ويعود المجتمع إلى واحدٍ من أهم مواعيده مع المستقبل.
هناك منظومات تؤدي دورها في الحياة، وأخرى يمتد دورها ليصنع شيئًا من الحياة ذاتها؛ والتعليم في مقدمتها، فهو لا يقف عند حدود المعرفة، بل يمتد أثره إلى الإنسان والمجتمع والوطن.
ولذلك لا يعود التعليم وحده؛ فمع بداية عامه تنتظم مواعيد البيوت، وتتبدل حركة الطرق، وتنشط الأسواق والخدمات والنقل، وتُعاد صياغة يوم الأسرة والعمل. وحين تستطيع منظومة واحدة أن تعيد ترتيب كل هذه التفاصيل، ندرك أن أثرها أكبر كثيرًا من حدود مدارسها وجامعاتها.
وإذا كانت عودة التعليم تُعيد للحياة انتظامها، فإن قيمته الكبرى تتجاوز ذلك كله؛ فهو المنظومة التي تُبنى في رحابها العقول، وتُصقل فيها القدرات، وتبدأ منها ملامح الغد.
فهو يأخذ الإنسان في بدايات تكوينه، ويمنحه المعرفة وأدوات التفكير، ويصقل قدراته، ثم يدفع به إلى الحياة قادرًا على أن يضيف إليها. وما بين أول درس وأول إنجاز مسافةٌ قد تطول، لكنها تصل.
فما من نهضةٍ إلا وكان للعلم في أصلها نصيب، وما من وطنٍ أراد أن يسبق زمنه إلا بدأ بعقول أبنائه.
ومن هنا لا تكون المعرفة ترفًا، ولا التعليم مرحلةً تنتهي بشهادة؛ وإنما قدرة تتراكم في المجتمع جيلًا بعد جيل، حتى تتحول إلى كفاءة في العمل، ونضج في القرار، وابتكار في الاقتصاد، ووعي في المجتمع، وقوة في الوطن.
وفي قلب هذه الرسالة يقف وطني، الذي سخّر للتعليم أسبابه، وهيّأ له إمكاناته، وجعله حقًا متاحًا لأبنائه وبناته دون مقابل؛ إيمانًا بأن بناء الإنسان هو أرسخ استثمار، وأن العلم هو الطريق الذي لا تختصره الأمم إن أرادت مستقبلًا يليق بها.
ثم يأتي المعلمون والمعلمات؛ حملة الرسالة وصُنّاع المستقبل. وفي أيديهم من الأثر ما قد لا تكشفه اللحظة؛ فكلمةٌ تبني ثقة، ومعرفةٌ تفتح أفقًا، وتوجيهٌ يصحح مسارًا، وقد تمضي الأعوام ويبقى للمعلم في حياة طلابه شيءٌ لا تمحوه مغادرة المقاعد ولا تعاقب السنين.
ولهذا فإننا حين نستقبل عامًا دراسيًا جديدًا، لا نستقبل موعدًا في التقويم، بل نستقبل موسمًا جديدًا من العلم والعمل والأمل.
فعودًا حميدًا لكم يا حملة الرسالة وصُنّاع المستقبل، وجزاكم الله عنّا وعن أبنائنا وبناتنا كل خير، وبارك في علمكم وعطائكم وأثركم. وعودًا حميدًا لكم، طلابنا وطالباتنا؛ وطنٌ عظيم سخّر لكم سُبل العلم، وهيّأ لكم طريقه، فاجعلوا ما منحكم إيّاه يعود إليه رفعةً ومنجزًا؛ فما أجمل أن يقرأ الوطن ثمرة عطائه في أبنائه…
