حين صمتت مطابع (الرياض) و(اليمامة)، لم يكن الصوت المُنقطع مجرد أزيز حديد وزيت، بل كان أشبه بوداع أخير للحبر لجسدٍ أثقله العمر. سبعون عاماً والورق يحمل أوجاعنا، يرافق صباحنا مع كوب القهوة الأول، ويمنح الكلام هيمنته وسلطته. اليوم، ينسحب هذا الحبر بهدوء من المشهد، يُسلّم أوراقه لـ (سلطة خامسة) لا تنام، ولا تفوح منها رائحة المطابع، بل تظهر على شاشات رقمية.
ولكن، هل مات الورق حقاً، أم أننا نحن من غيّرنا علاقاتنا بالقراءة ؟
في التحليل الإعلامي، لم تكن الهزيمة بسبب جودة المحتوى، بل ببطء الاستجابة. عاشت المؤسسات الصحفية العقود الأخيرة في حالة من البطء في مواكبة التحول، فتوهمت أن سطوة الاسم والتاريخ كفيلة بحمايتها من جرف الخوارزميات. لقد تعاملت مع الرقمية من واقع أنها (مُلحق) أو (واجهة ثانوية)، بينما كان العالم يعيد تشكيل مفهوم الخبر نفسه: من “الحدث الذي ننتظره غداً” إلى “الحدث الذي نعيشه اللحظة”.
الخطأ لم يكن في التمسك بالقيم الصحفية، بل كان في التمسك بالوسيلة القديمة. تحول الورق من وسيلة إلى صنم، وحين تبدلت سيكولوجية المتلقي من (قارئ متأمل) إلى (مستهلك خاطف)، أصبحت المؤسسات اليوم تقدم صحافة أمس ببطء .
من الظلم جلد الذات، وكأن المطابع السعودية تسقط وحدها. إنها هزّة أرضية ضربت العالم ..
العالم يعيد تعريف (السلطة الرابعة)؛ فلم تعد الصحافة المصدر الوحيد للمعلومة، بل أصبحت تنافسها منصات رقمية، وحلّت مكانها (السلطة الخامسة) الرقمية: سلطة الجمهور المتفاعل، والخوارزميات المشفرة، وصنّاع المحتوى اللحظي. الأزمة عالمية بامتياز، لكن التباين يكمن في سرعة التحول ومرونة نموذج العمل التجاري.
إن توقف المطابع ليس نهاية المطاف، بل قد يكون بداية لمرحلة جديدة لمؤسسات صحفية عريقة (الرياض) و(اليمامة)، بشرط الإيمان بأن الإعلام لم يعُد (خبراً مفرداً)، بل (تجربة متكاملة). فالمستقبل ليس في نقل الصفحة الورقية إلي (بي دي اف) بل في غرف في :
– الأخبار الذكية: صحافة قائمة على البيانات، واستثمار الذكاء الاصطناعي لتخصيص المحتوى لكل قارئ.
-اقتصاد صناعة الرأي: الانتقال من “نقل الخبر” (الذي سبقتهم إليه شبكات التواصل) إلى “تحليل الخبر” وصناعة التحقيقات العملاقة والبودكاست والوثائقيات.
-إن الورق يستريح الآن في متحف الذاكرة الوطنية، لكن (الرسالة) لا تموت. الحبر لم يتوقف عن التدفق، إنه فقط غيّر طريقه ليصل إلي القارئ عبر منصات رقمية جديدة ..
• أستاذ العلاقات العامة والإعلام الرقمي
كلية الاتصال والإعلام





