كتاب الرأي

رسالة من المستقبل: حين يشيخ الوطن بصمت

لفت د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري في مقاله إلى رقم نشرته أخبار السعودية نقلًا عن الاقتصادية، يتبيّن من خلاله أن عدد المواليد في المملكة تراجع من 44 ولادة لكل ألف نسمة عام 1980 إلى 16 ولادة فقط لكل ألف نسمة عام 2023، أي أن معدل المواليد هبط إلى أقل من ثلث ما كان عليه قبل أربعة عقود.

وليست هذه إحصائية عابرة، بل مؤشر يستحق القراءة الاجتماعية المتأنية؛ لأن استمرار هذا الاتجاه بالإيقاع نفسه قد يجعلنا بعد عقدين أو ثلاثة أمام تحديات سكانية واقتصادية واجتماعية عميقة.

لكن الأرقام تخبرنا بما يحدث، ولا تخبرنا دائمًا لماذا يحدث. ومن هنا يصبح من الضروري البحث في الأسباب الاجتماعية التي أسهمت في تغير أنماط الزواج والإنجاب داخل المجتمع.

ويأتي تأخر سن الزواج في مقدمة الأسباب الاجتماعية المؤثرة في الإنجاب، فكلما تأخر تكوين الأسرة تقل الفترة الزمنية المتاحة للإنجاب، وقد يكتفي الزوجان بعدد أقل من الأبناء. وتتعدد أسباب تأخر الزواج بين طول سنوات الدراسة، والانشغال ببناء المستقبل المهني، وصعوبة العثور على الشريك المناسب، والمبالغة أحيانًا في بعض متطلبات الزواج، إضافة إلى تغير الأولويات لدى الشباب.

كما تغيرت النظرة إلى حجم الأسرة. ففي الماضي كانت الأسرة الكبيرة جزءًا مألوفًا من البناء الاجتماعي، وكان وجود عدد كبير من الأبناء أمرًا طبيعيًا لدى كثير من الأسر، أما اليوم فقد أصبح بعض الأزواج يفضلون الاكتفاء بطفل أو طفلين أو ثلاثة، رغبة في منحهم قدرًا أكبر من الوقت والاهتمام والرعاية. وهنا نحن أمام تحول ثقافي واجتماعي في مفهوم الأسرة وحجمها، وليس مجرد تغير رقمي في عدد المواليد.

ومن الأسباب كذلك تغير نظرة بعض الشباب إلى الزواج والإنجاب، إذ أصبح البعض يراهما مسؤولية كبيرة قد تحد من الاستقلال الشخصي والسفر والترفيه والتطور المهني، ومع استمرار التأجيل قد يتحول القرار المؤقت إلى نمط حياة طويل الأمد. كما أن بعض ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي من تجارب زوجية سلبية ومشكلات وخيانات وصراعات قد يقدم للشباب صورة غير متوازنة عن الزواج، في حين لا تحظى آلاف الأسر المستقرة بالقدر نفسه من الظهور.

ولا يمكن الحديث عن الإنجاب بعيدًا عن استقرار الحياة الزوجية؛ فكثرة الخلافات الزوجية والخوف من الطلاق أو المرور بتجربة انفصال قد تدفع إلى تأجيل الإنجاب أو الاكتفاء بعدد محدود من الأبناء. كما أن الطلاق قد يؤخر تكوين أسر جديدة، ولذلك فإن تعزيز الاستقرار الزوجي والحد من حالات الطلاق الممكن تجنبها ليس شأنًا أسريًا فقط، بل له أبعاد اجتماعية وسكانية مستقبلية.

وشهد المجتمع خلال العقود الماضية تغيرات واسعة في التعليم والعمل وطبيعة العلاقات الاجتماعية وطموحات الفرد، وأصبح تحقيق الذات والاستقلال الشخصي والنجاح المهني يحتل مساحة أكبر في حياة الإنسان. وهذه التحولات إيجابية في جوانب كثيرة، لكن التحدي يكمن في تحقيق التوازن بينها وبين تكوين الأسرة، بحيث لا يصبح الزواج والإنجاب مشروعًا مؤجلًا باستمرار.

ومعالجة تراجع الإنجاب لا تتحقق بمجرد دعوة الناس إلى زيادة عدد الأبناء، بل تحتاج إلى فهم الأسباب الاجتماعية والتعامل معها. فنحن بحاجة إلى تسهيل الزواج وتقليل المبالغة في متطلباته، وتعزيز برامج التأهيل للمقبلين على الزواج، وتوسيع خدمات الإرشاد والإصلاح الأسري، ودعم التوازن بين الأسرة والعمل، ونشر ثقافة أسرية إيجابية تعزز قيمة الزواج والأبناء دون تجاهل المسؤوليات الواقعية للحياة الأسرية.

كما نحتاج إلى دراسات اجتماعية وطنية تستمع إلى الشباب والشابات وتسألهم بصورة مباشرة: لماذا يتأخر الزواج؟ ولماذا يؤجل الإنجاب؟ ولماذا تفضل بعض الأسر عددًا أقل من الأبناء؟ فمعرفة الأسباب الحقيقية هي البداية الصحيحة لأي معالجة ناجحة.

إن انخفاض المواليد من 44 ولادة لكل ألف نسمة عام 1980 إلى 16 ولادة عام 2023، كما أشار إليه د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري، ليس مجرد مقارنة بين رقمين يفصل بينهما أكثر من أربعة عقود، بل رسالة تستحق أن تُقرأ من زاوية المستقبل.

فالطفل الذي لا يولد اليوم هو الشاب الذي لن يدخل الجامعة وسوق العمل بعد عشرين عامًا، وهو جزء من القوة البشرية التي يحتاج إليها المجتمع في المستقبل. وإذا استمر التراجع لعقود، فقد تتغير التركيبة العمرية للمجتمع تدريجيًا، وتزداد نسبة كبار السن مقارنة بالفئات الأصغر، بما يحمله ذلك من تحديات اجتماعية واقتصادية مستقبلية.

لذلك فإن القضية أكبر من سؤال: كم عدد المواليد؟ والسؤال الأهم هو: لماذا يتراجع الإنجاب، وكيف نصنع بيئة اجتماعية تساعد الشباب على الزواج، وتحمي استقرار الأسرة، وتجعل الإنجاب وتربية الأبناء خيارًا أكثر اطمئنانًا واستدامة؟

فالوطن لا يشيخ في يوم واحد، بل قد يبدأ ذلك بصمت عندما تتراجع الولادات عامًا بعد عام، ولا ننتبه إلى الرسالة التي تحملها الأرقام.

د. عبدالرحمن حسن جان

دكتوراه في علم الاجتماع، وباحث في القضايا الأسرية والاجتماعية، مهتم بدراسة التحولات الاجتماعية وتعزيز الوعي الأسري والاستقرار النفسي والاجتماعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى